هل التربية المواطنية حاجة وضرورة للمجتمعات العربية؟

هل التربية المواطنية حاجة وضرورة للمجتمعات العربية؟

مداخلة ضمن المؤتمر الدولي المدمج :

” تحديات التربية على المواطنية في العصر الرقمي في ظل الأزمات والعولمة “

المنظم من قبل الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية برئاسة السيدة ريما يونس بالشراكة مع كلية التربية في الجامعة اللبنانية والجامعة الإسلامية في لبنان والمعهد اللبناني لإعداد المربِّين في جامعة القديس يوسف وبالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية والسفارة الفرنسية ( قسم التعاون الثقافي ) والمعهد الفرنسي للتربية التقويمية في فرنسا والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع وجامعة استانبول ايدين في تركيا – قسم علم الاجتماع وجمعية ديان ومركز تنمية الموارد البشرية للدراسات والأبحاث في برلين والمنتدى العالمي للأديان والإنسانية وجمعية النور للتربية والتعليم وجمعية بلادي والمنتدى العربي لدراسات المرأة والتدريب والأكاديمية المصرية للتربية الخاصة

لبنان – الحدث – مدينة رفيق الحريري الجامعية

اعداد البروفسير نمر فريحة

         البروفسير نمر فريحة

حالياً أستاذ مشرف على طلبة الدكتوراه في الجامعة اليسوعية- بيروت- وأستاذ سابق في الجامعة اللبنانية، ورئيس سابق للمركز التربوي في بيروت، وعميد سابق في جامعة ظفار (عُمان)، وجامعة NDU  لبنان.

 

أولاً: مقدمة الموضوع

يعيش العالم في هذا القرن الكثير من الأزمات التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث بشكل خاص، وما زاد من الأمر تعقيداً هو العولمة، الزائر الذي فرض نفسه على المجتمعات كافة حيث حاول بعضها رفضه كدخيل، لكنه عاد وفرض نفسه بالقوة على كل منزل وأسرة وفرد. فمن لا يستعمل الهاتف الجوال؟ أو الكمبيوتر؟ أو الانترنت؟ أو غيرها من وسائل التكنولوجيا التي أدت إلى نشوء ظاهرة العولمة؟ ومن لا يتأثر بانعكاس الأزمات الاقتصادية على الصعيد العالمي على دخله وقدرته الشرائية؟ وغير ذلك. هذا على الصعيد الفردي البسيط، أما على صعيد المجتمع والدولة، فلا يمكن تصور وجود دولة لا تعتمد على التكنولولجيا في معاملاتها الإدارية وتسيير شؤونها بكل أشكالها…. وقد تكون العولمة على علاقة بأسباب الأزمات التي تعاني منها المجتمعات، أو زادتها حدة من خلال تشابك أمور العالم ككل. فهذا عصر الثورة التكنولوجية، وعصر التطور الرقمي وإرهاصاته، وعصر العولمة، وعصر التنمية المتعثرة، وبالتالي عصر الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكي لا نلقي باللوم على هذه التطورات باعتبارها الوحيدة في التسبب بالأزمات، نقول بأنها تماشت مع الأحداث التي أشرنا إليها. ولا يمكن التغاضي عن طرح حلول لهذه الأزمات ولو على المدى البعيد، ومن ضمن الحلول التي يمكن طرحها هي المواطنية.

وبما أننا نركز في هذا المؤتمر على العالم العربي، لذلك سيقتصر حديثنا بشكل خاص عليه. ولا بد من القول إن المجتمعات العربية ليست نسخة متطابقة عن بعضها البعض، لكن هناك قواسم مشتركة كثيرة تجعل الكلام العام عن موضوع المواطنية والتنشئة عليها مقبولاً وواقعياً.

وكي يكون تقييمنا للواقع العربي عادلاً، لا بد من القول أن العالم بمعظم أجزائه يعيش أزمات، ونحن نعيش عصر الازمات بامتياز كما ذكرنا للتو، فمنها ما هو داخلي، ومنها ما هو إقليمي وعالمي. وفي كلا الحالتين لا يمكننا التغاضي عن أي منها عند اقتراح تطوير في حقل تربوي معين خصوصاً المواطنية التي سنحصر مداخلتنا بما يتعلق بها والتربية عليها زمن العولمة والرقمنة، مع التطرق إلى ما تواجهه هذه التربية من تحديات.

ثانياً: المواطنة/المواطنية ودورها

إننا نستعمل التعبيرين بالمعنى ذاته. وعندما نقول مواطنية، فعما نتكلم؟ ولماذا نضم إليها تعبير “التربية”؟ وما هو واقعنا في ظل العولمة بالنسبة للمواطنية؟ وفي العصر الرقمي؟ وفي ظل الأزمات؟

إن المواطنة أو المواطنية هي علاقة الفرد القانونية بدولته، أي بمؤسسات الدولة، وهذه العلاقة تستند إلى هوية البلد التي يحملها لأنه ولد فيها، أو اكتسب جنسيتها. كذلك هي علاقة الفرد الوجدانية مع دولته (وبالأحرى وطنه) التي نتوقعها علاقة ولاء وانتماء واعتزاز ومحبة.

ونظراً لأهمية المواطنية، وجدت فيها حكومات الدول وسيلة لإيجاد لحمة بين أبناء الجيل بعنصر وطني واضح، لذلك أدخلتها إلى برامج المدارس وأنشطتها. وكما أن دور المدرسة هو تربية الطفل، فهو أيضاً تربيته على المواطنية، أي تنشئته ليصبح مواطناً منتجاً وصالحاً ومسؤولاً في مجتمعه وأمام مؤسسات وطنه. وهذا لا يحصل بشكل تلقائي كما يظن البعض لأن التربية المواطنية هي عمل يتم التخطيط له لينفذ بشكل دقيق وصحيح كي تتحقق أهدافه.

ولهذه التربية مجالات تتضمن الكثير من العناصر. وإذا عددنا المجالات، فهي أربعة: المجال المعرفي، والمجال المهاري، والمجال الوجداني، ومجال المشاركة المجتمعية. وأحيانا نقسم المجال الوجداني إلى اثنين: عام ووطني بهدف التركيز أو الإضاءة على ما يرتبط بالوطن بشكل خاص.

هكذا نكون قد تناولنا المواطنية كحالة، وقمنا بتوصيفها. ونستعرض الآن أسسها:

ثالثاً: أسس المواطنية

هناك أسس ومبادئ تبنى عليها التربية المواطنية ولا يمكن التغاضي عنها أو عن أي منها، وأهمها:

  • المساواة:

إن المواطنية ربيبة المساواة، لا بل من أسس المواطنية المساواة بين المواطنين. ننطلق بهذه المعادلة كمدخل نظري لمناقشة مدى ترابط وانسجام المفهومين: مواطنية-مساواة. فعندما يكون هناك تمييز بين المواطنين يستند إلى أي عنصر ديني أو مذهبي أو عرقي أو جهوي أو عشائري، فهذا يعني أن المواطنية ناقصة لا بل تعاني من عيب كبير. ولا يمكن القول إن هذا المجتمع أو ذاك يعيش مواطنيته عندما تميز الجهة الرسمية- أي الحكومة- بين أفراده أو مجموعاته. كذلك لا يمكن القول أن هذا المجتمع يعيش مواطنيته إذا كانت فئة منه -وليس الحكومة- تميز ضد فئة أخرى تشاركها الهوية والمصير. ورب سائل: ماذا نسمي هذه المجتمعات التي تعاني من عدم المساواة، فهل هذا يعني أن لا مواطنية فيها؟ نقول إن الأمر لا ينطبق بهذه الصرامة: أبيض أو أسود. فالمواطنية موجودة في كل مجتمع حتى ولو لم يدرك المسؤولون فيه ذلك. لكن نحن نرغب بمواطنية واعية لا عفوية؛ نطمح إلى مواطنية تستند إلى إنسانية الانسان لا إلى انتهاكها؛ مواطنية مخطط لها بقناعة ومعرفة كي تكون ناجحة، وليس مواطنية مرتجلة تهتز لأقل سبب؛ أو لتستخدم عند حاجة كل فرد أو فئة للاستشهاد بها كلامياً فقط، وبحسب توجهاته وأيديولوجيته.

2- المواطنية حالة:

إن المواطنية حالة، لا بل طريقة حياة يومية يعيشها المواطنون بقناعاتهم، وعندما تكون كذلك، يمكنهم عندها تجاوز المشكلات التي تنشأ في المجتمع من وقت لآخر، لأن المواطنية لا تشجع على الصراع، بل على الحوار والتوصل إلى حلول. عندما تتوفر المواطنية في أفراد المجتمع، فهذا يعني أن هناك قيماً مشتركة يبنون مواقفهم عليها، ومن ثم يتصرفون بشكل ينسجم معها. وينطبق هذا في كل ما يفعلونه ويقومون به من أنشطة ووظائف والاهتمام بشؤون بيئتهم ومساعدة الآخرين وغير ذلك. أما إذا كانت المواطنية المُدّعاة مرافقة للتمييز والاضطهاد والقمع، فمن حق كل انسان أن يشكك بتأثيرها وفاعليتها لا بل بوجودها لأن جوهرها يرتبط بتوافر العدالة، والسلام المجتمعي، ووحدة القيم، والسلوك اليومي، والمساواة؛ وليس عكس ذلك أبداً.

3- السلام الوطني:

هو أحد انعكاسات المواطنية الصادقة خصوصاً في المجتمع التعددي. عندما يتعايش، لا بل ينسجم، أفراد المجموعات التي تشكل الوطن مع بعضهم البعض بكل قناعة، وليس بعامل الرهبة والخوف من عقاب القانون أو اضطهاد فريق لآخر، عندها يكون السلام الداخلي والوطني مظلة للجميع، ومؤشراً على توافر المواطنية بأبعادها كافة في المجتمع. وفي ظل هذ النوع من السلام يحصل الانتاج والازدهار الاقتصادي، ويسود الأمن الاجتماعي.

4- المشاركة المجتمعية:

وهي الأنشطة التي يقوم بها المتعلمون خلال دراستهم كي يكونوا مشاركين في شؤون مجتمعهم أو بيئتهم المحلية، لأنهم بهذا يعكسون شخصية الفرد المهتم بما يحصل في مجتمعه؛ كما نرى عكس هذه الصورة عندما يقتصر تركيز المتعلم على دراسته ليحصّل شهادات، ويحصل على وظيفة. يجب أن يُستغلّ وجود المتعلم في المدرسة لحوالي اثنتي عشرة سنة كي يتم بناء شخصيته المواطنية حيث يصبح سلوكه تلقائياً في الاهتمام بشؤون بيئته المحلية، ومجتمعه الوطني ككل، ويبقى هذا الاهتمام لديه حتى بعد إنهاء دراسته. إذ لا يمكن الاعتماد على الحكومة للقيام بكل شيء. هذا أصبح من الماضي. ففي المجتمعات المتطورة، يكون كل مواطن خفير حتى ولو لم يراقبه أحد. فهو لا يرمي القمامة في الشارع إذا لم يره أحد، ولا يساهم بتلويث البيئة من أجل مصلحة ذاتية، ولا يخالف قوانين المرور إذا لم يكن هناك شرطي يراقب… وتطول اللائحة هنا.

5- الانتماء والولاء للوطن:

إن تعبير مواطنية بذاته مشتق من كلمة وطن. إذ كيف نتكلم عن المواطنية إذا لم يكن لدينا وطن؟ هذا أولاً. ثم كيف نتكلم عن المواطنية، إذا لم نكن مواطنين لهذا الوطن؟ وهذا يعني أن هويتنا الفردية والجمعية هي هوية وطننا، وبالتالي فإن انتماءنا هو لوطننا، واستطراداً، إن ولاءنا هو لوطننا، وفخرنا هو بوطننا، ومحبتنا هي لوطننا، ودماءنا تهرق من أجل وطننا فقط.

يمكننا رؤية هذا الانتماء أو الاحساس به عندما نجعل من وطننا عدسة ننظر من خلالها إلى تصرفاتنا وأفعالنا ومواقفنا وكل ما يرتبط بنا كأعضاء في مجتمع وطني واحد.

6 – الالتزام الأخلاقي:

المواطنية في شق كبير منها انعكاسٌ لالتزام الفرد الأخلاقي نحو مجتمعه ووطنه. فلا يخالف قوانين السير إذا لم يرَ شرطياً قربه؛ ولا يزوّر مستندات وشهادات إذا استطاع ذلك، ولا يعتدي على حقوق غيره إذا كان في موقع قوة، و…

كما نسمع خطابات رنانة كثيرة حول الوطن من قبل مسؤولين حكوميين أو مواطنين عاديين، لكن نلمس سلوكات مغايرة. فليس الكلام هو ما يعول عليه، بل الأفعال. إذ نتوقع من المسؤولين عن مصير الوطن التحلي بأخلاقيات الحكام، لا أن يتهربوا من دفع الضرائب، ولا يسرقون المال العام؛ ولا يغلّبون مصالحهم الشخصية على مصلحة بلدهم…

 هذه الأمور جميعها ترعاها الأخلاق، وعندما تجف في مجتمع ما، فلا داعي للحديث عن المواطنية.

رابعاً: واقع التربية المواطنية في العالم العربي والتحديات التي تواجهها:

بعد استعراض مختلف العناصر المرتبطة بالمواطنية، نطرح السؤال الأساسي:

-ما هو واقع المواطنية في العالم العربي؟ وما هو واقع التربية عليها بشكل عام؟

إن المجتمعات العربية كباقي مجتمعات العالم تهتم بأمور كثيرة، ومنها التربية المواطنية التي يتولى أمرها النظام التربوي بالدرجة الأولى. ومن خلاله تُقصد المناهجُ والمدارس التي تطبقها، والهيئة التعليمية والإدارية كلها التي تكون على علاقة بهذا التوجه. لكن سيرورة عملية التربية المواطنية ضمن الأنظمة التربوية في عالمنا العربي تصطدم بتحديات عدة لا بد من الاعتراف بها كي تمكن معالجتها، وهي تختلف من دولة عربية إلى أخرى.

  • اللامساواة:

أولى هذه التحديات هو الواقع المأزوم في معظم دولنا. لذا لا بد من الاعتراف أن معظم الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا تبدأ مع عدم المساواة، وبالتالي انحياز العدالة لصالح فئة معينة في المجتمع. وليس من السهل تطبيق العدالة والمساواة بين ليلة وضحاها. أما سبب عدم المساواة، فالأمر يرتبط بعناصر كثيرة داخلية وذات أساس جهوي أو ديني أو إثني أو ثقافي، أو نوعية نظام الحكم.

  • تحدي الجهوية:

هناك بعض الدول العربية تعاني من فروقات تعود إلى المناطق الجغرافية، وقد ولّدت في الماضي انشقاقات داخلية، وربما ما زالت تهدد وحدة بعض دولنا. ولا تفكر مجموعة ما بانتمائها الجغرافي لو لم تلمس تمييزاً ضدها من قبل المجموعة الحاكمة. وبرأينا هذا قصر نظر من الفئة الأقوى عندما تميز سلبياً ضد أبناء منطقة معينة هي جزء من الوطن.

  • تحدي القبلية:

معظم المجتمعات العربية مبنية على القبيلة وتفرعاتها، وبما لديها من عرف وعادات وتقاليد ما يجعلها أحياناً على طرف نقيض من مؤسسات الدولة الحديثة التي هي شرط أولي لوجود الوطن. والفئة الحاكمة صاحبة القرار بإمكانها التخفيف من حدّة التأثير القبلي من خلال التركيز على المواطنية لأن ولاء المواطنين يكون أولاً لوطنهم، وباقي الولاءات والانتماءات تأتي ثانياً وثالثاً. إذ لم يرد في تطور المواطنية ما ارتبط بالقبيلة أو الطائفية أو الإثنية. والوسيلة للتخفيف من الانتماء للقبيلة والعشيرة هي المدرسة بمناهجها، وقدوة معلميها، ومحتوى الكتب المدرسية، والتي تساهم جميعها في بناء شخصية التلميذ-المواطن كما ذكرنا سابقاً.

  • تحدي الاختلاف الديني والمذهبي:

معظم مجتمعاتنا تعددية في تركيبتها الدينية التي تُبرِز هذه الفروقات العقائدية بشكل سلبي ما يمهد الطريق إلى خلافات بين مكوّناتها المذهبية. وهذه الخلافات لا تقتصر على الشق الفكري، بل تتجاوزه أحياناً لتتحول صراعاً بين أفراد المجتمع، والنتيجة أن هذا الصراع يضعف مكونات المواطنة بشكل كبير. وبدل الاستثمار في تطوير واقع المواطنة في المجتمع، يصبح الجهد منصباً على وقف الصراع وإحلال السلام الذي يكون مصطنعاً غالباً كما حصل في لبنان منذ اتفاق الطائف 1989.

  • تحدي التعامل مع الأقليات بمختلف أشكالها (اثنية، دينية، ومذهبية):

هناك تعدد ديني ومذهبي في مجتمعاتنا، كما هناك تعدد إثني وعرقي، وهما من مسببي الخلاف في بعض هذه المجتمعات. ويأخذ هذا الخلاف طابع القهر (Oppression) ما يولد حقداً أو خوفاً لدى الفئة المستهدفة. إذ بإمكان الجميع التعايش مع بعض كمواطنين، هويتهم هوية وطنهم، وليس العرق أو المذهب الذي ولدوا ضمنه. إذ من الطبيعي ألا يختار المرء عرقه، كما من الطبيعي أن يكون مسلماً إذا ولد لأبوين مسلمين، ومسيحياً إذا ولد لأبوين مسيحيين، وبوذياً إذا ولد لأبوين بوذيين… فالتربية تستطيع أن تزرع في نفوس المتعلمين هذه القناعة، وبالتالي لا يعود تفكيرهم يؤدي بهم إلى اضطهاد غيرهم أو التمييز ضده لأنه مختلف عنهم. وتستطيع المدرسة لعب دور معاكس بأن تغرس فيهم عكس ذلك بواسطة التركيز على الفروقات والخلافات التاريخية بين مكونات المجتمع، فتأتي النتيجة سيئة للجميع. إذ إن المدرسة الناجحة والجامعة الناجحة هي التي تربي أجيالاً تحترم “الآخر”، وتحترم انسانيته. فمهما كان الاختلاف في العرق أو الدين، هناك قاسم مشترك يجمع الجميع وهو انسانية الانسان. وعندما تسود هذه الروحية في المجتمع، لا تعود أي أقلية تخشى الأكثرية لأنها تُعامل كمجموعة مواطنين، وليس كمجموعة مختلفة ومرفوضة.

  • تخلي المؤسسة التربوية عن دورها المفترض:

إن الفصل بين واقع المجتمع وما تدرّسه المدرسة يساهم في خلق انفصام في تفكير المتعلمين. المدرسة في عدة مجتمعات تسوق الصورة الجميلة لأهل السلطة، والبروبغندا في معظم الأحيان، فكل هذا يجعل من الجيل المتخرّج متمرداً فيما بعد لأنه سيكتشف أنه قد تعرض لعملية خداع. وما حصل في لبنان مع جيل الحرب على سبيل المثال، وتكراره مع جيل ما بعد الحرب، بيّن خداع النظام السياسي، وبالتالي النظام التربوي الذي يمتثل له من خلال ما قدمه من صورة زهرية لأجيال المتعلمين حول النظام والسلطة السياسية، بينما الواقع يبين ممارسة الطبقة الحاكمة للسلطة بأبشع صورة وأكثرها فساداً. فكيف لهذا الجيل أن يكون ذا انتماء وولاء؟ وما حصل عندنا في لبنان قد حصل -أو يحصل- في مجتمعات عربية أخرى. ونلوم المدرسة بكل قناعة، ونتهمها بالتقصير لأنها لم تهتم ببناء شخصية مواطنين، بل اهتمت بتحويل جيل أو أكثر إلى سعاة وراء الشهادة بشتى الوسائل، وبالتالي سعاة خلف الوظيفة وخلف الزعيم. أما الوطن، فقد غاب عن اهتمامها في الوقت الذي يجب أن يكون هو محور عملها ونشاطها ودورها. وهذا ليس قرارَ مدير المدرسة أو معلميها، بل هذا قرار النظام التربوي برمته. النظام التربوي الذي يخشى النظام السياسي، ويأتمر بأمره على حساب التنشئة المواطنية. لأنه إذا خرّج مواطنين، فسيرفضون هكذا مسؤولين يتحكمون بمصيرهم.

  • تسويق ثقافة الخنوع:

تعتمد مدارسنا التلقين بدل التعليم والتعلم. إذ لا يؤدي التلقين إلى تطوِير الفكر التحليلي والنقدي لدى المتعلمين، بل إلى تنشّئه جيل تابع من دون تفكير، وينتظر تلقي الأوامر بدل أن يكون قادراً على المشاركة في القرار، ويصبح الخضوع قيمة سلوكية لديه. كما يصبح فريسة سهلة لأي إشاعة أو خبر غير واقعي. وإذا كان جيل بأكمله على هذه الشاكلة، فهل بإمكانه أن يطور بلده أو ينميه تنمية مستدامة؟ هنا تموت المبادرة الشخصية، وهنا لا مساحة للإبداع لا في المدرسة ولا خارجها. وهذا النمط من التربية لا ينسجم مع التربية المواطنية، لكنه يتجاوب مع أهداف المحافظين والتقليديين المتشددين الذين لا يرغبون رؤية شباب يفكر “خارج العلبة” التي صنعوها له قبل أن يولد. والمجتمعات العربية بحاجة قصوى أن تخرج من هذه الدوامة التي وضعت نفسها فيها، وألا تعيش الانفصام بين المحافظة والتشدد حتى الاختناق، وبين رحابة التفكير وحريته التي يمكن أن يتعلمها الولد منذ دخوله المدرسة؛ بين حرية تفكير الفرد، وبين الخضوع من دون الحق بالتساؤل عما يحدث في مجتمعه. إذ لا خوف مطلقاً أن تنشّئ المدرسة جيلاً يفكر خارج صندوق العادات والتقاليد التي كانت مقبولة منذ قرون، لكنها لم تعد كذلك الآن. هناك أمور كثيرة أخذت وقعها في حياة الناس وثقافتهم الحياتية، ولا يمكن أن يبقوا أسرى لتقاليد لم تعد تنسجم مع واقعهم وواقع المجتمع العالمي ككل.

  • ملامة الآخرين حول واقعنا:

من التحديات التي تواجهها التربية المواطنية في مجتمعاتنا هي عدم قبول التفكير المنطقي والعقلاني. إذ نطلع على الادبيات السياسية والتربوية في العالم العربي، ونجد تفاسير وطموحات كثيرة، لكن الواقع لا يوحي بموقع حقيقي لهذه الطموحات. وعلى سبيل المثال، يعتبر بعض المفكرين العرب أننا نعيش تحت ظل الاستعمار الناعم. يجب التوقف عن لوم الآخرين عما نعانيه لأننا نعترف بواقع لنا هو أقبح من ذنب غيرنا. إذ نعترف أننا شعب غير راشد، وسهل الانقياد لقوى أخرى نسميها استعمارية أو غير ذلك، وأننا لا نستحق الاستقلال والتحكم بمصيرنا. اليوم لا يوجد استعمار بالقوة، توجد مصالح اقتصادية، ومن مصلحة أي دولة أن تحقق أكبر قدر من الربح، وعلى مؤسساتنا الحكومية أن تسعى بالطريقة ذاتها لتحقيق مصالح بلدانها، وإلا تكون متآمرة ضد ذاتها. فإلقاء اللوم على الآخرين هو ضعف في التفكير وفي التفسير وفي التصرف، والتربية المواطنية لا تبني أجيالاً تقبل بهذه الترهات…

  • تحدي الثورة التكنولوجية:

يعيش العالم أجمع في عصر الثورة التكنولوجية أو عصر الرقمنة، والتي قلبت الكثير من المعايير الحياتية السابقة، وأثرت بالتالي على تفكير الناس وعلى اقتصاديات الدول، وأوجدت نوعاً جديداً من الاقتصاد هو اقتصاد المعرفة. وككل الانتاجات التي عرفها العالم خلال تاريخه، هناك من ينتج وبالمقابل هناك من يستهلك. لكن الفرق هنا أن هذا النوع من الانتاج لا يتطلب رأسمالاً مادياً، بل راسمالاً بشرياً يتمثل بالموارد البشرية المتوفرة في كل مجتمع، والتي تساهم فيها المدرسة والجامعة. ومن الواجب ألا تبقى مجتمعاتنا مستهلكة للإنتاج المعرفي، بل أن تبني قدرات أبنائها ليواكبوا متطلبات هذا الاقتصاد، وينضموا إلى المجموعات المنتجة في بلدهم. ومن انعكاسات الثورة التكنولوجية نشوء نوع جديد من المواطنية وهي “المواطنية الرقمية“، والمواطن الرقمي الذي يعيش في عالم افتراضي وفي الوقت ذاته يبقى مواطنا لوطنه، لكن تفاعله مع غيره من المواطنين الافتراضيين وانتاجه يجب أن يكون فيه مصلحة لوطنه.

 

خامساً-معالجة هذه التحديات بواسطة التربية

  • معالجة الواقع بواسطة التربية الفعالة:

إن هذه التحديات الرئيسية التي تواجه المجتمعات العربية يكون علاج معظمها بالتربية الحقيقية والفعالة في مؤسساتنا التربوية، وعلى مدى سنين لأن بناء شخصية المواطن لا تحصل في سنة أو اثنتين في المدرسة، بل تتطلب وقتاً طويلاً مع خطط طويلة الأمد لتستطيع المؤسسة التربوية أن تؤثر على تفكيره وقناعاته ومهاراته الفكرية- خصوصاً التفكير النقدي- من خلال المنهج، وبواسطة المعارف التي يتضمنها، وطرائق التدريس التي يعتمدها المعلم. وهذا الأمر له اختصاصيوه الذين يعرفون كيف يبنون المناهج، وبالتالي محتوى المواد الدراسية، وخصوصاً كيف يتم تقديم هذه العناصر بواسطة طرائق التدريس الحديثة.

2 – دور التربية المواطنية:

المشاكل التربوية في مجتمعاتنا تكمن بصراحة في كفاءة من يقاربها، وفي موقف الوزارة أو الحكومة حول كيفية بناء جيل يتمتع بالمعارف والمهارات والمواقف التي تتطلبها المواطنية. إذ يمكن لجيل كامل أن يرتاد المدرسة من الصف الأول أساسي حتى نهاية المرحلة الثانوية، ولا يتأثر بمكونات المواطنة لأن التربية عليها غير مأخوذة بعين الاعتبار، ولأن النظام التربوي قد لا يرغب في هذا النوع من التربية التي يخشاها؛ يخشاها لأنها تزود المتعلم بمعارف مختلفة، وبمهارات التفكير التحليلي والناقد والتوليفي ما يجعله واعياً وفاهماً لما يحدث في وطنه، وغير منقاد بشكل آلي لتصديق كل ما يسوقه الإعلام أو أي جهة مسؤولة في بلده إذا كان لديه شك في مصدرها.

3- تغيير مقاربتنا في تدريس تاريخنا:

إذا خرجنا من الإطار المحلي الخاص بالمواطنية إلى الإطار الخارجي، نجد خلافات بين بعض دولنا، والتي لم يتم حلها منذ رحيل الاستعمار. لماذا؟ نلوم الاستعمار بأنه أوجد حدوداً غير سليمة بين دولنا. جيد. فإذا كنا فعلاً نمتلك قرارنا الوطني، لماذا لا نحل مشكلات الحدود في غياب الاستعمار وبواسطة المناقشات مهما طالت؟ كذلك نقول أن الاستعمار والقوى الخارجية فرقت بين طوائفنا ومذاهبنا. نوافق من قال ذلك، لكن لماذا لا نحل مشاكلنا الطائفية بعد رحيل الاستعمار؟ ولماذا اشتدت هذه الخلافات لتصل إلى صراع دموي بدل أن نحلها بغياب الاستعمار المحرّض؟ الحقيقة أن المشكلة الكبرى تكمن فينا، في أنفسنا، وفي تفكيرنا، لكننا لا نجرؤ على مواجهة واقعنا، فنهرب من مشكلاتنا إلى الأمام، ونروح نلوم الغير على ما حل بنا.

الجرأة أن نعترف بما نحن عليه، وأن نخطو خطوات واثقة نحو حل مشاكلنا بواسطة تنشئة أجيال على القبول بالحوار بدل الصراع، والتفاهم بدل التشبث بالمواقف، ونبذ العنف بدل عشق القتال…. إذ حان الوقت لتدرّس كل دولة أبناءها التاريخ بواقعية، ويكون هدفها أن يتعلموا دروساً منه، وليس تجديد الكراهية نحو الآخرين. والتربية المواطنية لا تنسجم مع محاكاة الغرائز، بل تسعى لغرس المعارف الصحيحة والمهارات الفكرية خصوصا التفكير الناقد في الأجيال، وتعزيز قيم التسامح والاحترام والحوار لديهم… وهذا كله يمكن أن يحصل من خلال تغيير طرائق تدريسنا التلقينية، وتبني طرائق التدريس التي تحاكي عقل المتعلم، وتجعله يفكر ويحلل بمنطق، ويتعاون مع غيره ويناقش بحرية. وهكذا وبعد اثنتي عشرة سنة يمضيها المتعلم في المدرسة نستطيع أن نبني منه مواطناً مسؤولاً تجاه وطنه، وتجاه نفسه، وتجاه من يعيش ويتفاعل معه.

4 – السلام الداخلي والخارجي:

إذا كانت المجتمعات العربية راغبة في نشر السلام الداخلي، والسلام مع جيرانها/إخوتها في الانتماء، عليها أن تولي التربية على المواطنة الأهمية التي تستحقها خصوصاً في نظامها التربوي. نقول “خصوصاً” لأن هناك مؤسسات مجتمعية أخرى لها دورها في هذا الباب مثل الإعلام والأقران والعائلة والمؤسسة الدينية، لكن يبقى للمدرسة الدور الأهم والأكثر تأثيراً.

وعندما نربي جيلاً على المواطنية، لا نجعل منه جيلاً متطرفاً حتى في وطنيته. فالمواطنية لا تتناسب مع الوطنية المتطرفة التي تصبح شوفينية. والشوفينية تعني التطرف في المشاعر والقناعات الوطنية والقومية ما يجعل من الآخرين خارج إطار المساواة واستحقاق السلام. وبعض الحروب التي حصلت بين دولتين أو أكثر، كانت الشوفينية السبب الأساسي لذلك كالنازية وتسببها بالحرب العالمية الثانية. (وهنا لا أتطرق ضمناً إلى القضية الفلسطينية وإسرائيل).

5- التنبه إلى علاقة المواطنية بالتنمية:

إن مجتمعاتنا بحاجة للاهتمام بالتربية المواطنية لأجيالها. بحاجة لبناء أجيال منتجة وواعية ومسؤولة إذا كانت صادقة في ما تردده دائماً بأنها تسعى إلى التنمية المستدامة. إذ لا تنمية من دون مواطنية. ولا نبالغ في ذلك. إن التنمية المستدامة ليست نمواً اقتصادياً فقط. بل هي تطوير للرأسمال البشري وما نسميه الموارد البشرية، وحسن أداء هذه الموارد في الاقتصاد وغيره. وهذا التطوير يحصل بواسطة المدرسة والجامعة بأن تخرج أجيالاً واعية تفكر، وتحلل، وتستنتج، وتتحمل المسؤولية، وتتعلم من تجاربها، وتتهيأ لتكون منتجة ومبدعة من أجل ذاتها ومن أجل وطنها أيضاً. لا أن تخرج هذه المجتمعات أجيالاً تعتقد مسبقاً أن عملها موجود لأنها تحمل هوية الوطن ولها الأفضلية في ذلك. هذا حق وطني ودستوري لكل مواطن، لكن يجب أن يكون هذا الحق مقروناً بالكفاءة لأجل تطوير البلد. وهذه النقطة مهملة في تنشئة الأجيال. المواطنية تجعل من يقبض راتبا ولا يُطلبُ منه انتاج بالمقابل، يرفض ذلك، أو على أقل تقدير أن يفكر ويستنتج أنه يأكل مما ينتجه مواطن آخر بينما هو يشاركه نتيجة عمله من دون حق ضميري. كما أن المرتشي في وظيفته يكون غريباً عن مبادئ المواطنية التي تزرع فيه الشهامة والشرف بحيث لا يقبل أن يزوّر مقابل رشوة، أو يقوم بواجبه الوظيفي مقابل مال غير راتبه.

وكخلاصة نقول إن مجتمعاتنا بحاجة لإعادة النظر في كيفية تقديم التربية المواطنية في المدارس والجامعات لبناء أجيال من المتعلمين الذين سيكونون مستقبل أوطانهم. وإعادة النظر تكون بالارتكاز إلى الواقعية، وإلى ما يسود العالم من أزمات في عصر الثورة التكنولوجية التي أدت إلى وجود العولمة والرقمنة، وباتت حدود الدول مفتوحة على العالم ككل، والتأثيرات أصبحت متبادلة بين الشعوب. كما أن الاقتصاد عرف تغييراً وتطوراً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ولا بد من تزويد أجيالنا بما يؤهلهم للمنافسة والعيش ضمن عالم مختلف عن عالمنا، وتكون لديهم المهارات والقيم التي تساعدهم على العيش بكرامة وحرية من دون خسارة قيمهم وولائهم لأوطانهم، وانتمائهم الوطني والعالمي.

Add a Comment

Your email address will not be published.