تحديات التربية على المواطنية في المؤسسات التربوية : تجارب جامعات ومدارس

مداخلة الأمين العام للمدارس الكاثوليكية في لبنان

 الأب يوسف نصر 

ضمن المؤتمر الدولي المدمج :

تحديّات التربية على المواطنيّة في العصر الرقميّ في ظلّ الأزمات والعولمة “

الذي نظم من قبل الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية برئاسة السيدة ريما يونس بالشراكة مع كلية التربية في الجامعة اللبنانية والجامعة الإسلامية في لبنان والمعهد اللبناني لإعداد المربِّين في جامعة القديس يوسف وبالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية والسفارة الفرنسية ( قسم التعاون الثقافي ) والمعهد الفرنسي للتربية التقويمية في فرنسا والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع وجامعة استانبول ايدين في تركيا – قسم علم الاجتماع وجمعية ديان ومركز تنمية الموارد البشرية للدراسات والأبحاث في برلين والمنتدى العالمي للأديان والإنسانية وجمعية النور للتربية والتعليم وجمعية بلادي والمنتدى العربي لدراسات المرأة والتدريب والأكاديمية المصرية للتربية الخاصة

لبنان – الحدث – مدينة رفيق الحريري الجامعية

مداخلة الأمين العام للمدارس الكاثوليكية في لبنان

 الأب يوسف نصر 

            الأب يوسف نصر

 تحديات التربية على المواطنية في المؤسسات التربوية : تجارب جامعات ومدارس

 إن القراءة الأولى لعنوان هذا المؤتمر تضع القارئ أمام تحديات جمة للتربية على المواطنية. نلخصها بثلاثة أمور:

التحدي الأول : التجربة الأولى للتربية على المواطنية في لبنان

أن التجربة اللبنانية وبخاصة ما بعد اتفاق الطائف والمرتكزة على المنهج المقر عام 1994 فشلت في إعداد “مواطن” أو في التربية على المواطنية. والدليل على ذلك أن تقسيمات المجتمع اللبناني اليوم لا تختلف الكثير عما كانت عليه قبل عام 1989. عمليا ما وزلنا نفكر طوائف ومذاهب وكونتونات ومحاصصة وزبائنية وتقاسم مغانم. يكفي أن نسترجع هذه العبارات المستخدمة في الشارع: “أوعا تزعل الزعيم، اتصل الزعيم الفلاني وأخد حصة الطائفة الفلانية، هيدي الخدمة للزعيم”. أي ما زلنا في مجتمع “قبلي عشائري” لم يرق حتى الى الدرجة الأولى من سلم المواطنية، أي الى الإقرار بحقوق الفرد البشري. عمليا إن عنصر الجماعة هو العنصر الطاغي على البنية الإجتماعية في الوطن العربية ككل وفي لبنان كذلك. لماذا ؟ لأن الزعيم بما يمثل أقوى من القانون (بفك مشنقة)، الطائفية تشكل بديلا عن المواطنية، العشائرية تلبي خدمات افرادها بطريقة افضل من الوطن. ولماذا اذا التفلت منها ؟ حتى أن التفكير وصل بالمواطن اللبناني الى حد القول :اذا خسرنا العشيرة او الطائفة يستقوي الآخرون علينا وتهدر حقوق الطائفة ؟ فأين نحن من المواطنية ؟ ما زلنا بعيدين كل البعد عن ما يسمى بالمواطنية ؟

التحدي الثاني : التربية على المواطنية في العصر الرقمي.

المقصود بهذا التحدي هو التالي : أذا كنا قد فشلنا حتى تاريخ اليوم في بناء المواطن اللبناني داخل 10452 كلم2، فيكف يمكن لنا أن نربي على المواطنية في ظل الإنفتاح الحاصل مع العولمة والتطور التكنولوجي وسيطرة وسائل التواصل الإجتماعي وما تقدمه من إفكار وطروحات وعروض وأمثال. ولا قوانين تضع ضوابط لإستعمال وسائل التواصل الإجتماعي ولا أخلاقيات تحد من مخاطرها. كلها تشكل تحدي أمام بناء أو تربية المواطن الصالح والفاعل. كلها تستدعي تدخلات من قبل المسؤولين لوضع مداميك وأسس وقواعد ومعايير للحياة الإجتماعية والجماعية. كلها تستدعي بناء قناعات لدى الطلاب تترجم بمبادئ تترجم بدورها بقواعد عملية تترجم بقرارات يومية تحدد مصير الإنسان.

                                                                                 قرارات يومية

 

والتحدي الثالث : التربية على المواطنية في ظل الأزمات والعولمة.

مما لا شكل فيه أن الازمات تفقد الناس عادة القدرة على التركيز على الأمور الأساسية بالحياة لا بل يصبح هم الأنسان هو تخطي الأزمة و”لاحقين نشوف شو لازم ينعمل”. فالأزمات المتتالية في لبنان من بداية نشئته ولتاريخ اليوم – ويقال أن لبنان كل 15 سنة يشهد أزمة جديدة- من الحروب المتتالية الى الأزمات السياسية الى الأزمة الصحية الى الأزمة الإقتصادية، كلها لم تفسح المجال أمام أي مؤسسة تربوية لتفلح بما تقوم به.

 ولا يخفى على أحد أن بناء المواطنية يشكل هدفا لكل مؤسسة تربوية في لبنان. يكفي مراجعة نصوص الشرعات التربوية والسياسات التربوية للجميعات والمؤسسات التربوية العاملة في لبنان. كلها تشيد بالتربية على المواطنية، كلها تريد بناء مواطن صالح. ولكن السؤال البارز : كيف نحدد هذا المواطن الصالح ؟ وعلى ماذا يحدد صلاحه ؟ متى نعتبره صالحا ومتى لا؟  ما هي معايير الصلاح في قاموس المواطنية ؟ وهل هذه المعايير هي مشتركة للجميع ؟ هل ما هو صالح للواحد هو عنيه صالح للآخر ؟ هذا موضوع شائك جداً

فلا يمكن فصل الإنسان عن محيطه والإنسان بطبيعته كائن إجتماعي سياسي منفتح على الآخرين. فكل قرار يتخذه الأنسان يتأثر فيه بمحيطه وكل قرار يتخذه يؤثر على محيطه. أي أن الإنسان يتفاعل مع محيطه. وهذا ما نعنيه عندما نقول أن الآنسان يعيش في écosystème

                                               المحيط والبيئة والمجتمع المحلى والدولي

فقبل الدخول في معترك التربية على المواطنية علينا ان نحدد أولا علاقة الإنسان بمحيطه ومرتكزاتها ومقوماتها والعوامل الموثرة فيها وهذا ما نعنيه بالمواطنية. أي مواطن نريد أن نبني ؟ المواطن الطائفي ؟ الوطني ؟ الرقمي ؟ العالمي ؟ …..

وهذه مسؤولية مشتركة بين القيمين على الوطن والتربويين وأصحاب الإختصاص. هذا يحتاح الى سياسية وطنية شاملة تنكب على تحديد الأهداف والمعايير والآليات وسبل التقوم وبناء مرصد التقويم الدائم. وكلها بحاجة الى أكلاف باهظة تحتم على الدولة وضعها في سلم اولوياتها في موازنتها السنوية. والخطوة الأولى تكمن في اتخاذ قرار بوقف الهدر لتوفير بعض المال لبناء المشاريع التربوية. هذه الطريقة تعبر عن جدية في التعاطي وعن حسم في القرار وعن وضوح في الأهداف والرؤيا. اما إنتظار من يحسن علينا ببعض المال لنستطيح ان نعالح مشكلة منهج لبناني مترهل.

نحن في لبنان ما زلنا لتاريخ اليوم نعالج مشكلة الأطار العام للمنهج اللبناني. ولماذا الإستعجال؟ نقنع هذه أو تلك من المؤسسات المانحة بصوابية المشروع ثم نبدأ بتشكيل اللجان ثم نخوص في التفكر في المواد والتعمق في سمات المعلم والمتعلم ووضع المقاربات، ثم نغير مدير المركز أم يقف المشروع لأن المال لم يكفِ لإنجاز كل المراحل. وينام المشروع لسنين وسنين طولا ثم نعود على حين غرة الى بصيرتنا :مدير جديد يستلم مهامه ويريد أن ينجز ما عليه ويأخذ على عاتقه الأمر ونبدأ بالعمل الجاد ولكن الى أي وحتى متى؟ أنا الا أعلم، الله يعلم ؟!!!

 من هنا أود أن أتوقف بصورة موجزة عند أمرين :

أولا تحديات التربية على المواطينة في المدارس الكاثوليكية لا تختلف عن سواها في المؤسسات الأخرى:

  • فقدان إطار مرجعي واضح ومشترك يحدد المفاهيم والمقاربات والأليات للتربية على المواطنية. وهذا ما نحتاج اليه في ظل الحديث عن المواطنية أي إصدار دليل التربية على المواطنية في لبنان.
  • إقرار سياسية دولة لتطبيق هذه المنهجية الجديدة ورصد الموازنات المناسبة والكافية والإستعانة بأخصائيين وإنشاء مراكز تدريب وبناء مرصد تقويم دائم.
  • وضع أنشطة وآليات مناسبة تمكن الطالب من تنمنية مهارته كمواطن فاعل. وهذا ما يحتاج ال أخصائيين يدرسون طرق تنفيذ هذا المشروع في المجتمع اللبناني وفي البيئة اللبنانية وما يتناسب مع العقلية اللبنانية. إن تجربة أي بلد مهما كانت ناجحة لا يمكن نقلها وإستنساخها جون إجراء عملية تكييف وتبليد وتوطين…
  • خلق البيئة المناسبة لهكذا مشروع. لا يمكن بناء المواطن الصالح في ظل دولة غائبة عن هذا الهم التربوي الوطني. ماذا نعمل اذا؟ انوقف هكذا مشروع لأن البيئة غير مناسبة؟ كلا فلبندأ بخلق الظروف الموآتية كله في بيئته الصغيرة، كل منا في محيطه. حتى يستطيع الطالب ان يرى أمثلة واقعية مشجعة تدفعه الى بناء القناعة بضرورة هكذا مشروع.
  • لا يمكن لا بل يستحيل على مربي لم يتربى على المواطنية ولم يختبر حقيقتها ان يربي أجيالا عليها. الخبرة الأولى يجب أن تقتصر على إعداد المعلمين ولوقت طويل لإختبار معنى المواطنية وإكتشاف ملامحها والتماس ثمارها ثم تكليفهم التربية على عليها. ثانيا” مبادرات قيمة في هذا الأطار. اليست التربية بالمثل إحدى أهم طرائق التربية ؟

ثانيا، لا بد من تضافر جهود الخبرات التي تقام في عدة أمكنة في سبيل الخروج بنموذج موجد يسري على كل مناطق لبنان. ما أود لإشارة اليه هو أن تشتت الخبرات والتجارب قد يعطي مفعولا معاكس اذا لم تتوحد الجهود لبناء دليل مفايهم واحد ومرجع وطني جامع.  وعلى هذا الصعيد اود أن اشير الى ثلاث مبادرات على ضعيد الامانة العامة للمدارس الكاثوليكية:

  • المبادرة الأولى : اللجنة التربوية في بكركي: المواطنة المسؤولة

تألفت هذه اللجنة بناء على رغبة كنسية جامعة نتيجة للفساد الذي ينخر عظام الدولة اللبنانية وقد حددت هذه اللجنة مشروعها بأنه مشروع للتنشئة المدنية الأخلاقية بهدف تكوين موطن مسؤول وملتزم. يقوم هذا المشروع التربوي في المرحلة الأولي على 3 محاور للتعليم والتدريب للصف الثانوي الأول خلال العام الدراسي 2021-2022.

والمشروع يتضمن ثلاثة محاور:

  • المحور الأول: المواطن المسؤول والمنفتح على مهارات القرن الواحد والعشرين من خلال

التفكير النقدي والتواصل اللاعنفي والتحدث الى الجمهور.

  • المحور الثاني : المواطن الذي يستدرك المفاهيم القانونية الآتية: دولة القانون، المواطنة والمواطنية، المساواه والعدالة، الشفافية والمساءلة والمحاسبة.
  • المحور الثالث : المواطن الملتزم شؤون الجماعة المحلية والوطنية والعالمية عبر : إدراك مفهوم الخير العام والمصلحة العامة، الإنطلاق من المصلحة الشخصية الى المصلحة العامة، العمل على دمج مفاهيم المشاركة والتضامن مع الخدمة العامة ومشاريع خدمة المجتمع، إدراك أهمية الحفاظ على البيئة والعمل على حمايتها.

أهمية هذا المشروع تمكن في أنها تريد أن توصل المتعلم الى وعي أهمية الأخور الشاملة لا بل الوصول اليها.

للتمكن من تحقيق الهدف، لا بد بدرجة أولى من تدريب المعلم ليصبح بدوره مدربا لتلامذته.

أما من حيث الإطار، فتعمل اللجنة على تقديم مشروع تربوي وطني عملي متكامل يتلاقى مع القيم الوطنية.

وهذه اللجنة، التي تضم كبار المتخصصين في الموضوع، تنوى القيام بدراسة نموذجية في 15 مدرسة كاثوليكية متفرفة في اصقاع لبنان واختارت الصف الأول الثانوني لإجراء الإختبار الأولي فيه. ومن المتوقع ان تدخل هذه الخيرة حيز التطبيق في الفصل الثالث من العام الدراسي الحالي

  • المبادرة الثانية : المؤتمر السابع والعشرون للمدارس الكاثوليكية

المؤتمر السابع والعشرين لمدارسنا الكاثوليكية الذي انعقد في 15 و16 أيلول في مدرسة سيدة اللويزة حول موضوع : كيف للمدرسة الكاثوليكية ان تخرج من الأزمة متغيرة.

فبعد محاضرة القتها الدكتورة وديعة خوري حول موضوع المواطنية الفاعلة ومرتكزاتها، نتج عن اللقاء مجموعة تفكير تضم أكثر من اربعين شخصا أخذت على عاتقها استمرارية اللقاءات بهدف التوصل الى وضع أطر عامة للتربية على المواطنية أو دليل المواطنية في مدارسنا الكاثوليكية. ما زالت اللقاءات تتوالى والعمل جار للتوصل الى منتج معين.

وقد صدر في التوصية السادسة من أعمال المؤتمر :

“تربية تلامذتنا على روح المواطنة ا لمسؤولة سعيا للإنتقال من ثقافة الفرد الى ثقافة الإنتماء الجماعي”

والتوصية السابعة:

الإصرار على تعديل المناهج التربوية لكي تصبح معاصرة لكفايات القرن الحادي والعشرين بهدف تأمين تربية شاملة لكل التلامذة والسعي الى الـتألق المستمر.

وهذه التوصيات تنسجم بشكل كبير مع التوصيات التي حدرت عن المؤتمرات في السنين الماضية. مما يعنى أن التربية على المواطنية تشكل هدفا لا بل هاجسا لدى المسؤولين التربويين في مدارسنا الكاثوليكية.

  • المبادرة الثالثة ناجمة عن المكتب التربوي للأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية

المكتب التربوي يضم مندوبا من كل مجموعة تربوية كاثوليكية او عن كل مكتب تربوي تابع لجمعية كاثوليكية معينة. وبعد إعادة تشكيل المكتب التربوي إثر إنتخاب أمين عام جديد للمدارس الكاثوليكية، التقى اعضاء المكتب الجدد وتوافقوا على العمل على أربعة محاور تشكل أولوية للتربية الكاثوليكية اليوم:

  • مواكبة تعديل المناهج
  • التنشئة والتدريب
  • التكنولوجيا في خدمة التربية
  • التربية على المواطنية الفاعلة

أما لجنة  التربية على المواطنية فقد وضعت اهدافها وخطة عملها وما تنوي التوصل اليه من خلال مشروعها:

الهدف الثالي الهدف الثاني الهدف الأول
إنشاء مرصد المواطنيّة الفاعلة تمكين المعلمين من مهارات المواطنيّة الفاعلة وضع مشروع دليل/مرشد إطار توجيهي للمواطنية الفاعلة لاستعمال المدارس
في تموز 2022 -ورشة عمل لتجهيز المعلمين ليكونوا رواد التغيير (تقويم قبلي-مواطنية الحد الأقصى- بيداغوجيا الإدماج-تطوير الذات ,,,)

-تدريب على استعمال وابتكار أدوات وطرائق تربويّة لتعزيز المواطنية الفاعلة

تجميع الأدبيات والنتاجات الموزعة في المكاتب التربوية والجمعيات الأهلية والهيئات المدنية,,,
ورشة عمل -المرافقة الميدانية  للمعلمين في سياقات مهنية حقيقية تحديد ملمح المواطن الفاعل استنادًاإلى الإطار المرجعيّ المرتكز إلى تعليم الكنبسة الاجتماعيّ
إنتاج صيغة أولية للتجريب مع مدارس رائدة  في بداية العام 2022-2023 ورشة عمل تقويمية ختامية تحديد المحاور/اكلفايات الأساسية لبناء تقافة المواطنية الفاعلة
شباط/آذار 2023 تثبيت الصيغة النهائية المواطنيةّ الفاعلة –إعداد دليل الأنشطة بمساهمة المعلمين المتدربين إعداد الأنشطة والمعارف والمواقف والمهارات اللازمة لتركيز الكفايات
أيار 2023 تدريب المدارس الراغبة بالانضمتم إلى المشروع -أواخر شباط 2022

-نيسان-ايار 2022

-منتصف حزيران 2022

-تموز 2022

–         منتصف شباط2022

–         نهاية شباط 2022

–         نهاية نيسان 2022

–         -منتصف تموز 2022

أود أن أشير ختاما الى أهمية هذه المؤتمر الذي يجمع كل المبادارت التي تدرج تحت إطار التربية على المواطنية. أما ما ننتظره من هذه المؤتمر هو الخروج بمبادرة وطنية جامعة تشمل كل المبادرات القائمة لشكل إطارا وطنيا جامعا للتربية على المواطنية في لبنان.

Add a Comment

Your email address will not be published.