أوراق في التعليم العالي / الإفتراضية والواقعية

لا شك أن للتعليم العالي الجامعي شؤوناً وشجوناً كثيرة، وهي تمتد مع امتداد الأجيال وتوارثها للمهمة التي قد تكون الأهم في مسار إنتاج المجتمعات..

سنتوقف في هذه السطور عند الإتصال والتواصل في عملية التعليم عن بعد، فقد بات من المعروف أن مجمل الجسم التعليمي قد تجاوز المرحلة الإنتقالية من التعليم الحضوري إلى التعليم عن بعد، وأن كل مؤسسة أوجدت لنفسها جانبين أساسين : الأول إعتماد التطبيقات المناسبة للتعليم والتواصل مع الطلاب، والثاني تعديل الأنظمة الإدارية بما يتناسب مع متطلبات الجانب الأول.

 

فيما خص إعتماد التطبيقات المناسبة سواءً zoom أو  Google meet  أو  WebEx  أو Microsoft team، أو غيرها من التطبيقات التي باتت جزءاً أساسياً ويومياً من التعليم وهي وإن إختلفت في بعض خدماتها وتقديماتها ومستوى سريتها فهي تشترك في مهمة أساسية وهي نقل حالة التواصل من الإفتراضية إلى تأمين أكبر نسبة ممكنة من الواقعية في التواصل، فالحال أننا لم نعد نعيش في تلك الحالة الإفتراضية فالأشخاص موجودين فعلياً خلف الأجهزة الإلكترونية وهم أشخاص حقيقيون والتواصل القائم هو تواصل حقيقي بالصوت والفيديو، و حالة التواصل هذه و إن تدنت عند البعض من الأِساتذة الذين لا يقومون بتشغيل الكاميرات أثناء المحاضرة ( دون أي مبرر تقني ) أو عند الطلاب الذين يغادرون المكان ظناً منهم أن المحاضر لا يدرك ذلك.. إلا أن مجموعة كبيرة من المحاضرين ومن الطلاب هم من المواظبين على المستوى التقني والتشاركي بما يسمح بتأمين أعلى نسبة من العملية التعليمية وتعويض النقص الحاصل في الإتصال المباشر بنسبة بديلة من الإتصال التقني وآثاره المباشرة، حيث تقل الإفتراضية إلى أدنى مستوياتها لتصبح الغرفة ذات أبعاد تقنية بدل الغرف الخرسانية، فيعيش أحدنا ضمن هذه الأبعاد التي فرضت نفسها علينا أصلاً في تواصلنا اليومي عبر التطبيقات المختلفة ..

والحال أن الإتصال خسر من ناحية، لكنه عاد وكسب من جوانب عديدة أخرى ليس أقلها تأمين التواصل العابر للجغرافيا عبر الاتصال العابر للمدن والبلدان والقارات، وهو  أيضاً عابر للزمن ليس فقط من خلال الفورية والآنية، بل من خلال تمكين كل الأطراف من إعادة الإستماع والمشاهدة اللاحقة ولمرات متعددة وبحسب الظروف الشخصية المتاحة، وهذا كله يسير بإتجاه تحميل الأطراف جميعها سواءً الإدارية منها أو التعليمية أو الطالبية نفسها مسؤولية دفع العملية بإتجاه النجاح..

هنا يطرح أكثر من سؤال حول نجاح كل طرف من أطراف العملية التعليمية في أداء دوره بما يسمح لمجمل العملية التعليمية من السير بالإتجاه المطلوب .. والإشكالية الكبيرة في هذا المضمار أن إكتشاف الثغرات في هذه التركيبة قد يأتي متأخراً بحيث لا يتسع الوقت لإعادة التقويم .. ولعل من الضروري بمكان ما، خاصة في العملية التعليمية الجامعية، أن يقف كل طرف من الأطراف ليتساءل ويقيم أداءه تمهيداً لتعديل المسار والإستفادة من المرونة التي فرضتها الاحوال المستجدة .. خاصةً وأنّ الجميع ودون استثناء يؤكد أن لا عودة إلى الوراء حتى لو عادت العملية التعليمية إلى سابق عهدها أو ما يشبه ذلك .. وإن كان أحداً لا يتوقع ذلك ..على الأقل في المدى المنظور ..

وللحديث بقية ..

د.زكريا بيتية

One Comment

Add a Comment

Your email address will not be published.