من التربية على المواطنية إلى التربية على المواطنة الرقمية

 ” من التربية على المواطنية إلى التربية على المواطنة الرقمية “

إعداد الدكتورة بلانش أبي عسّاف

مداخلة المركز التربوي للبحوث والإنماء

ضمن المؤتمر الدولي المدمج :

تحديّات التربية على المواطنيّة في العصر الرقميّ في ظلّ الأزمات والعولمة “

الذي نظم من قبل الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية برئاسة السيدة ريما يونس بالشراكة مع كلية التربية في الجامعة اللبنانية والجامعة الإسلامية في لبنان والمعهد اللبناني لإعداد المربِّين في جامعة القديس يوسف وبالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية والسفارة الفرنسية ( قسم التعاون الثقافي ) والمعهد الفرنسي للتربية التقويمية في فرنسا والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع وجامعة استانبول ايدين في تركيا – قسم علم الاجتماع وجمعية ديان ومركز تنمية الموارد البشرية للدراسات والأبحاث في برلين والمنتدى العالمي للأديان والإنسانية وجمعية النور للتربية والتعليم وجمعية بلادي والمنتدى العربي لدراسات المرأة والتدريب والأكاديمية المصرية للتربية الخاصة

لبنان – الحدث – مدينة رفيق الحريري الجامعية

إعداد الدكتورة بلانش أبي عسّاف

دكتوراه في علم الاجتماع التربوي

منسقة لجنة التربية على المواطنية في المركز التربوي للبحوث والإنماء

الملخص :

شهدت السنوات الماضية ثورة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، رافقها تغير في قدرات الأفراد في التعامل مع التكنولوجيا حيث وفرت السهولة والسرعة في عمليات التواصل والوصول إلى مصادر المعلومات، ومما لا شك فيه أن هذه الثورة التكنولوجية الحديثة نتج عنها سلوكيات تباينت بين الإيجابية إذا ما استغلت على الوجه الأمثل، والسلبية إذا تمرد مستخدموها على القواعد الأخلاقية .

 استنادا ً إلى الورشة القائمة في المركز التربوي للبحوث والإنماء على مستوى تطوير المناهج التعليمية ما قبل الجامعية نحو مناهج تفاعلية،  واستنادا” إلى موضوع المؤتمر” تحديات التربية على المواطنية في العصر الرقمي في ظل الأزمات والعولمة” ولفهم أهميّة التربية على المواطنية، وضع المركز التربوي للبحوث والإنماء مع مجموعة من الباحثين التربويين “الإطار المرجعي للتربية على المواطنية” كون المواطنية كفاية اساسية من الكفايات التي ستبنى عليها المناهج الجديدة.

وعند تناول مفهوم التربية على المواطنيّة نجد أنّ هناك مجموعة من المصطلحات والمفاهيم والمسائل التي ترتبط بها، ولا تنفك عنها، والتي من الواجب تبيانها وتوضيحها، ليتسنّى لواضعي أهداف التربية على المواطنيّة وكفاياتها ومصمّمي مناهجها الانطلاق من أسس ومرتكزات واضحة مبنيّة على الفهم المشترك للمصطلحات والمفاهيم ذات الصلة.

لذا، تناولنا في هذه المداخلة العائقة بين الالتزام في تطبيق معايير التربية على المواطنيّة في ممارسة المواطنة الرقمية، هو: ما ضرورة تطوير قدرات المختصين في إرساء  ثقافة التربية على المواطنيّة  في  ممارسة المواطنة الرقمية؟

خلاصة الأمر، مجموعة إجراءات واجب اعتمادها في تعليم وتعزيز مفاهيم التربية على المواطنية والمواطنة الرقمية، وخاصة أن الكل مسؤول عن ذلك، وتحديداً واضعي السياسات التربوية، بحيث يجب إعادة النظر في المقررات الدراسية  لكي تتضمن موضوعات تعزز مفاهيم وقيم المواطنية وتطبيقها في ممارساتها الرقمية من أنشطة تعليمية، وتأطير المعلم ليكون قادراً على تحقيق ذلك.

Résumé

De l’éducation à la citoyenneté à l’éducation à la citoyenneté numérique

Préparé par le Dr Blanche Abi Assaf

Doctorat en Sociologie de l’Education

Chef du Département de l’Education Civique Nationale au Centre Pédagogique de Recherche et de Développement

  • Coordonnatrice du comité d’éducation à la citoyenneté
  • Coordonnatrice du comité L’éducation A la Citoyenneté Active
  • Coordonnatrice du comité de Service Sociale

Les dernières années ont subi une révolution technologique au niveau de la communication et de l’information, qui a aidé à fournir une facilité et une rapidité dans les moyennes de communication et l’accès aux sources d’information. N’empêche que cette technologie moderne, et cette révolution se sont traduites par des comportements d’un côté un avantageux et Optimal, et d’un autre côté engendre un comportement négatifs si ses utilisateurs contre les règles morales.

Sur la base de l’atelier organisé  au « Centre de Recherche et de Développement Pédagogique (CRDP)» au niveau de l’évolution des programmes d’enseignement pré-universitaire vers des programmes interactifs, et sur la base du thème du Colloque « Les défis de l’éducation à la citoyenneté à l’ère numérique à la lumière des crises et la mondialisation » et pour comprendre l’importance de l’éducation à la citoyenneté, le CRDP  avec un groupe de chercheur pédagogue, ont élaboré « Le Cadre de Référence pour l’éducation à la citoyenneté », puisque, la citoyenneté est une adéquation de base des compétences sur lesquelles les nouveaux programmes seront construits et adopter par les concepteurs du nouveaux programmes.

Par conséquent, dans cette intervention, nous avons abordé l’obstacle entre l’engagement à appliquer les normes d’éducation à la citoyenneté dans la pratique de la citoyenneté numérique, Mais, quelle est la nécessité de développer les capacités des spécialistes à établir une culture d’éducation à la citoyenneté dans la pratique de citoyenneté numérique ?

Pour conclure, un ensemble de procédures qui doivent être adoptées dans l’enseignement et le renforcement des concepts d’éducation à la citoyenneté et à la citoyenneté numérique, en particulier par les experts pédagogiques, et l’application par les enseignants.

مقدمة

المواطنيّة فليست مجرد توافقٍ اجتماعيٍّ وقانونيٍّ، بل منظومة قيم اجتماعية وأخلاقيّة وممارسة سلوكيّة نابعة من الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي والحضاري للمجتمع.

كلنا يعرف، ان هنالك تجاذبُ لمفهومَ المواطنيّة، وخاصة في علاقته مع المفاهيم والقضايا العابرة للأوطان، كالبعد العالمي والإنسانيِّ وقضايا البيئة والفقر والظلم والعنف في حجمها العالمي وغيرها من المفاهيم  والقضايا مما لا تقف عند حدود الوطن، تيّاران: الانغراس في الذات القوميّة وحصر المواطنيّة بالمعنى الضيق أي بالحدود الجغرافيّة للدولة  وهو ما يسمّى المواطنيّة الوطنيّة – وينافي هذا التوجّه الطبيعةَ المنفتحة لعصر العولمة – أو الخروج من الدائرة القوميّة إلى الفضاء العالمي الأرحب، ليكون المواطن مواطنًا عالميًّا، ولتصبح المواطنيّة عالميّة بحيث يشعر الفرد “بالانتماء إلى المجتمع الأوسع والإنسانيّة المشتركة”[1]. فوفق منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) المواطنة العالميّة هي إطارٌ نفس-اجتماعي للعمل الجماعي، يولّد حراكًا مدنيًّا مشتركًا بين الشعوب والثقافات من أجل عالم أفضل، ويعبّر عن شعور بالانتماء للإنسانيّة من دون التخلّي عن الانتماء الوطني والقومي[2].

ولأن المركز التربوي يُعنىَ ببناء الانسان والمواطن، تمحورت خطة النهوض التربوي (1994) حول مفاهيم وطنية متعددة، أهم ما ورد فيها: الايمان، الحرية والديمقراطية، العدالة والمساواة والسلام، التضامن والتعاون والتفاعل،  الأخلاق والقيم والمبادئ الإنسانية، الولاء للوطن والهوية، الثقافة والانتماء، العيش المشترك والانفتاح على العالم وغيرها.

غير أن دخول مفهوم المواطنية والمواطنية العالمية الى مجتمعنا ومدارسنا وعقول أولادنا بات واقعا حتميا، خاصة مع استصدار القوانين الراعية لمعادلات الشهادات الأجنبية لدينا، ما يحتّم علينا التعمق في دراسته وقراءة أبعاده، والتنبّه إلى الحساسيّات التي يمكن أن ينتجها والى التشابه أو التطابق والتعارض بينه وبين مفهوم المواطنية اللبنانية، بالاستناد إلى الدستور اللبناني، والقوانين والأنظمة التي ترعى العمل التربوي وتنظمه.

ولفهم مشروع التربية على المواطنية المدعوم من مكتب الأونسكو، قام المركز التربوي للبحوث والإنماء مع مجموعة من الباحثين التربويين باجراء دراستين، تناولت الأولى رصدَ مدى توافر مفاهيم المواطنية والمواطنية العالمية في مناهج التعليم العام (جميع المواد التعليميّة، في جميع المراحل والصفوف) ورصد مدى توافر هذه المفاهيم في المناهج الرديفة والبرامج والمشاريع الداعمة للمنهج اللبناني.

أما العائقة بين التعلُّم الالكتروني والمواطنيّة في بعدها الانساني العالمي وبعدها الرقمي، فهو الداء والدواء.

هل تشكل المواطنية والتربية على المواطنيّة  في بُعدها الانساني العالمي والرقمي  الدرع الواقي للأبناء في ظل استخدامهم الكثيف للتكنولوجيا؟

كيف سيُغير التعلُّم الالكتروني فكر وثقافة التربويين حول سلامة الأجيال في العالم الرقمي؟

ما ضرورة تطوير قدرات المختصين في إرساء  ثقافة التربية على المواطنيّة  في أبعادها المختلفة؟

نعم، تغيرت الحياة الاعتيادية بفضائلها وإيجابياتها المتعددة، وكذلك تغير العالم اليوم بتقدمه ورفاهيته وتقنياته وبأفكار المختصين والباحثين، فقد ساهمت جائحة كورونا في تحقيق أعظم التغييرات وأكثرها أثراً في العشرين عاماً الماضية؛ فأحدثت تغيُّراً كبيراً وسريعاً على مستوى كلٍ من الدراسات الإستشرفية، الخدمات التقنيّة، واستراتيجيات وطرائق التدريس. من هنا، يمكننا أن نطلق على الجيل الحالي إسم جيل الإنترنت لارتبطه بالتقنيات الرقمية والتكنولوجيا ارتباطاً وثيقاً. ولكن مع كل هذه المتغيرات العالمية والتأثيرات الصحية والاقتصادية لا يمكننا إنكار أهميّة الإنترنت الذي أصبح ضرورة للأجيال كافة، هذه الأجيال التي تعيش اليوم في ظل التكنولوجيا، التي أصبحت مرتكزا أساس للتواصل بين الناس، وأعادت النظر في تشكيلات كل الكيانات الحياتية (من أسرة، عمل، تعليم، السوق التجاري، وغيرها).

كما نرى اليوم  أن الأجيال تهوى بقوة الإنترنت، وما نتج عنها من الاهتمام بمواقع التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو، والموسيقى بأنواعها، … مما جعل مواقع التواصل الاجتماعي ساحة حوار يتبادل فيها الأفراد موضوعاتهم الحياتية وقضاياهم الاجتماعية، وازداد هذا الأمر حدةً في ظل جائحة كورونا وتحديداً عند المناداة بالتباعد الاجتماعي.

ففي ظل جائحة كورونا، بدأ التربويون في العملية التعليمية وبتطبيق استراتيجيات التعلُّم من بُعد، والمناداة بتطبيق استراتيجيات التعليم الإلكتروني التي نجحت فيه الكثير من الدول بأشكال متفاوتة. وبدأ الاهتمام بالمعلم المعتمد على الرقميّة في تحقيق أهدافه التعليمية عبر الشبكات والمنصات المتنوعة، وإعادة النظر في المناهج التعليمية والمحتوى المقدَّم للمتعلّم، وأدوات التقويم الاعتيادية والانتقال للتقويم الإلكتروني، وظهر الاهتمام بالقيادة، والعناية بإعداد القيادات التربوية الرقمية أو الافتراضية القادرة على إدارة الموارد البشرية من بُعد، وعبر بوابة التعليم الإلكتروني. وكما أصبح في البيئة الأسرية، من الضرورة توفير أجهزة رقمية، وإتاحتها للكبار والصغار، وقد وصل في بعض الأحيان عند البعض إلى حد الإدمان على الإنترنت. فعند الاستفسار عن استخدام التكنولوجيا لدى أولياء الأمور؛ يقرّون ويعترفون  بأن لديها أضرار جسيمة على اولادهم ويجهلون التعامل معها؛ خاصة عند مراقبتهم لاستخدام اولادهم للتكنولوجيا؛ فالأهل في حيرة من أمرهم، فإما عزل أولادهم عنها، فيصبح الأولاد متأخرين عن أقرانهم، أو إتاحة استخدامها، وعندها يصعب مراقبتهم، وعندهاـ يمكن أن يقع الاولاد في مشكلات  عديد يممكن أن تُحْدثها التكنولوجيا.

أضاقة إلى ما سبق ذكره،  أحدثت هذه التكنولوجيا تغييراً فيزولوجياً في بنية الدماغ البشري، فتغيرت تصورات الأفراد عن العالم، وتغيرت العادات والتقاليد مع استمرار مشاهدة أنماط حياتية تختلف من عاداتنا وتقاليدنا المستنبطة من بيئتنا، مما أعاد بنا التفكير بعمق في مفهوم الهوية الوطنية والمواطنيّة.

وإذا كانت النظرة سليمة للتحول نحو المجتمع الخاضع للوسائل الرقمية؛ فإنَّ مسؤولية التربويين تكمن في تشجيع الأفراد على استخدام التكنولوجيا دون إحداث الضرر، والحث على استخدامها بصورة حسنة وذكية، وهذا ما سنطرحه في هذا اللقاء حول” تحديات التربية على المواطنية في العصر الرقمي في ظل الأزمات والعولمة”، التربية على المواطنية، هذا المفهوم كيف سيجسد الاستخدام الآمن والملائم للتكنولوجيا؟ وكيف سيعزز الوعي بالقضايا المتعلقة بها؟ بهدف تشكيل سياسة وقائية من مخاطر قد تحدثها التكنولوجيا، وتحفيزية لاستخدامها بالصورة الإيجابية.

ومن الناحية الإنسانيّة ومن منطلق الحاجة إلى التكيّف مع متطلبات الحياة في القرن الواحد والعشرين والتفاعل مع تغيّراتها وتطوّرها، فهناك ارتباط وثيق بين المواطنيّة وبين مهارات العصر الرقمي، ومن أبرزها مهارات التواصل والتعاون والوعي المعلوماتيّ ومهارات التعامل مع البيئة، حيث لا يكتمل حبّ الوطن والحفاظ عليه والدفاع عنه إلاّ باكتساب مهارات تدعم الشخصيّة كما تدعم التحضير للحياة العامّة.

وعندما نتناول مفهوم التربية على المواطنيّة نجد أنّ هناك مجموعة من المصطلحات والمفاهيم والمسائل التي ترتبط به، ولا تنفك عنه، والتي من الواجب تبيانها وتوضيحها، ليتسنّى لنا الانطلاق من أسس ومرتكزات واضحة مبنيّة على الفهم المشترك للمصطلحات والمفاهيم ذات الصلة. لذلك، وضع المركز التربوي للبحوث والإنماء إطاراً مرجعياً للتربية على المواطنية ومن أهمّها مفهوم المواطنيّة وأبعاده.

  • المواطنة: من وَاطَنَ سُكَّانَ البَلَدِ: عَاشَ مَعَهُمْ وشاركهم فِي وَطَنٍ وَاحِد.

     والمصدر الأصليّ في تعريفه هو لفظ يدلّ على الحدث مجرّدًا من الزمان. وعليه، تكون المواطنة أقرب إلى فكرة الوطن منها إلى مفهوم المواطن وهي تعبّر عن البعد الاجتماعي الجغرافي للهويّة والانتماء.

  • المواطنيّة: ارتبطت المواطنيّة بمفهوم الوطن وبنشأة مفهوم الدولة، حيث المواطن هو في مصدر السلطة. وتعبّر المواطنيّة عن البعد الاجتماعيّ السياسيّ للهويّة والانتماء.

     لذا، فالمواطنيّة هي ظاهرة مركبّة من وضعيّة قانونيّة وحقوقيّة ومن فعل ارتباط. فالوضعيّة القانونيّة والحقوقيّة تجعل المواطن، بالمعنى السياسيّ، ذا صفة تشريعيّة أصليّة في وطنٍ محدّد بذاته، ومنخرطًا في منظومة الحقوق والواجبات المتوافق عليها في العقد السياسي والاجتماعي الذي ارتضته الجماعة الوطنيّة. وأمّا فعل ارتباط المواطن وجدانيًّا بوطن محدّد بذاته، فيترتّب عليه أن يحمل هويّته ويسمّى باسمه وينتمي إليه، ويلتزم قيمه وأخلاقيّاته، ويدافع عن سيادته ويعمل لإعلاء شأنه.

     وعليه، فإنّ استخدام مصطلح المواطنيّة يشمل مفهوم المواطنة، لأن الانتماء إلى الوطن والمشاركة الاجتماعيّة والسياسيّة أشمل من الانتماء والمشاركة في الموطن. وترتكز المواطنيّة إلى مبادىء وقيم.

  • التربية الوطنيّة: تُعنى بشكل أساسيّ بتشكيل الهويّة وتعزيز الرابط الوجداني بين المتعلّم – المواطن ووطنه، بالاستناد الى العناصر المكوّنة للهويّة الوطنيّة والوجدان الجماعي، وهي بشكل أساسيّ وحدة اللغة، والتاريخ والمصالح المشتركة، والعادات والتقاليد النابعة من قيم الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، والتراث العريق المتعلق بماضي الوطن والذي أصبح إرثًا ثقافيًّا مشتركًا للمجتمع الوطنيّ.
  • البعد الإنسانيّ والعالمي/ المواطنية العالميّة، أي مفهوم المواطنيّة في علاقته مع المفاهيم والقضايا العابرة للأوطان، كالبعد العالمي والإنسانيّة في إطارها العالمي وغيرها من المفاهيم والقضايا التي لا تقف عند حدود الوطن. وإما الخروج من الأطر الوطنيّة إلى الفضاء العالمي الأرحب، ليكون المواطن مواطنًا عالميًّا، بمعنى أن يشعر الفرد “بالانتماء إلى المجتمع الأوسع والإنسانيّة المشتركة”. لذا، يصبح من الواجب البحث عن إضافة بعد جديد في المواطنيّة يوفّق بين متطلبّات المواطنيّة بخصائصها القوميّة والمواطنيّة في بعدها العالمي. وهنا يمكن الحديث عن البعد الإنساني العالمي كبعد من أبعاد المواطنيّة الذي يُعنى بالقضايا الإنسانيّة والعالميّة العابرة لحدود الدولة القوميّة، ليصبح المواطن في وطنه جزءًا من العالم بتماهيه مع القضايا والتحدّيات الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة العالميّة.
  •  مواطنة رقميّة أم مواطنيّة رقميّة: انطلاقاً من أنّ المواطنيّة ليست مجرد توافق اجتماعي وقانوني، بل هي منظومة قيم اجتماعية وأخلاقيّة وممارسة سلوكيّة نابعة من الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي والحضاري للمجتمع.  أما المواطنة الرقمية، فهي مجموعة القواعد والضوابط والمعايير والأعراف والأفكار والمبادئ المعتمدة في الاستخدام الأمثل والقويم للتكنولوجيا، وعليه، فإنّ استخدام مصطلح المواطنة الرقمية أشمل يمثل القواعد والضوابط والمعايير والأعراف والأفكار المتبعة في الاستخدام الأمثل والقويم للتكنولوجيا.

كما حددت اليونسكو[3] العناصر التسعة للمواطنيّة الرقمية بعد تقييم مئات المقالات والكتب ونشرات الأخبار المتعلقة باستخدام التكنولوجيا وإساءة استخدامها وإساءة استخدامها. تركز هذه العناصر التسعة على قضايا اليوم ، على الرغم من أنها تتمتع بالمرونة لاستيعاب التغييرات التكنولوجية في المستقبل المنظور.

أما الأعراف المتبعة في السلوك القويم والمسؤول لقاء استخدام التكنولوجيا تقوم على المحاور التسعة في المواطنة الرقمية تلخيصها بمفهوم الاحترام، التعليم، الحماية Respect, Educate and Protect – REPS أحد أساليب توضيح وتعليم محاور المواطنة الرقمية. وتضم كل فئة ثلاثة موضوعات يجب تعليمها للمستخدم منذ نعومة أظافره ومرحلته الأولى في الانضمام إلى المجتمع الرقمي.

  • إحترم نفسك/احترم الآخرين: من اللياقة الرقمية: كالمعايير الرقمية للسلوك والإجراءات، مروراً بالوصول الرقمي: من المشاركة الإلكترونية الكاملة في المجتمع، وصولاً إلى القوانين الرقمية: المسؤولية الإلكترونية على الأعمال والأفعال.
  • علم نفسك/تواصل مع الآخرين: من الاتصالات الرقمية: كالتبادل الإلكتروني للمعلومات، مروراً بمحو الأمية الرقمية: من عملية تعليم وتعلم التكنولوجيا واستخدام أدواتها، وصولاً إلى التجارة الإلكترونية: البيع والشراء الإلكتروني للبضائع والمنتجات.
  • احمي نفسك/احمي الآخرين: من الحقوق والمسؤوليات الرقمية: كالحريات التي يتمتع بها الجميع في العالم الرقمي، مروراً بالأمن الرقمي (الحماية الذاتية): إجراءات ضمان الوقاية والحماية الإلكترونية، وصولاً إلى الصحة والسلامة الرقمية: الصحة النفسية والبدنية في عالم التكنولوجيا الرقمية.

الخاتمة:

فالرقمية سلاح ذو حدين يجب تدريب اولادنا عليه قبل استخدامه وهو أيضاً كتاب ننهل منه العلم والمعرفة ونتعلم منه كل مفيد إذا أحسنا الاستخدام هي بالآخر فطرة سليمة وزع قيم وتربية سوية ينتج عنها ثقافة الاستخدام الآمن للانترنت. الهدف الأساسي والرسالة من نشر هذه الثقافة هو إعداد مجتمع مؤهل للتعامل مع القضايا الالكترونية بنشر ثقافة الأمن الالكتروني بين مختلف المراحل العمرية في المجتمع عامة والمجتمع اللبناني خاصة. وعليه فالمطلوب اليوم:

1- العمل على رفع مستوى وعي الأهل والمعلمين لممفهوم الرقمية وكيفية استخدامها.

2- التأكيد عبر المناهج التعليميّة ووسائل الإعلام المختلفة على القيم الأصلية لمجتمعنا والتي تتعلق

    باحترام خصوصية الفرد وخصوصية الآخر، ونسبة الأعمال إلى أصحابها، وتحري الصدق فيما يتداوله

    المرء من اخبار وعدم بث الشائعات والاخبار المغرضة.

          – من خلال إجراء دراسات بهدف الكشف عن مدى الوعي بقيم المواطنة الرقمية لدى المتعلمين

              في المرحلة التعليمة ما قبل الجامعية.

          – إجراء دراسات تستهدف مدى تضمين المناهج في المجتمع اللبناني لقيم المواطنية الرقمية.

          – إجراء دراسات تستعرض تجارب الدول المتقدمة في نشر قيم المواطنة الرقمية عبر مراحل                     التعليم العام.

المراجع:

  • أدونيس عكرة، التربية على المواطنيّة وشروطها في الدول المتجهة  نحو الديمقراطية، دار الطليعة، 2007
  • وفاء شعبان، التربية  المواطنيّة، ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، 2016
  • ناصيف نصار، في التربية والسياسة، متى يصير الفرد في الدول العربية، مواطنا، دار الطليعة للطباعة والنشر، عام 2000
  • نمر فريحة، المواطنة العالمية والمواطنة الرقميّة وما بينهما، دار سائر المشرق، 2018
  • نمر فريحة، فعالية المدرسة في التربية على المواطنيّة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، عام 2002
  • علي خليفة، التربية والمواطنة في مهب عوامل أزمة الهوية والانتماء مقاربات التربية على المواطنة في مناهج إعداد المعلمين في الجامعات اللبنانية، مجلة التربية المعاصرة الصادرة عن كلية التربية بجامعة الاسكندرية، 1997
  • عدنان السيد حسين، المواطنة، اسسها وابعادها 2014، المركز الدولي لعلوم الانسان- اليونسكو-جبيل
  • أ.د أمجد يوسف سعد، مشروع التعليم العريب والمواطنة العالمية “إطار دمج المفاهيم المقررات- 2018
  • القاموس القانوني الثلاثي- منشورات الحلبي الحقوقيّة- 2002
  • الدستور اللبناني

[1]– منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة (2015)، التربية على المواطنة العالميّة: مواضيع وأهداف تعلّميّة، بيروت، ص 14

[2]– UNESCO, Global Citizenship Education: Topics and Learning Objectives (2015), p. 14.

[3] Digital Citizenship in Schools Second Edition

Add a Comment

Your email address will not be published.