اغضب بحكمة

كتبت د.رولا حطيط

انتبه!! ستخسر الآخرين إذا عبّرْت عن غضبك، تجاهل غضبك فهو حتمًا سيتلاشى بالتدريج كأنّه لم يكن! أن تكون وديعًا وتحتوي غضبك أمر لا يضرّك! عبارات يسمعها دومًا من يشعر بالغضب لأمر ما.

لكن، هل هذه التوجيهات هي الأفضل والأسلم دائمًا للإنسان؟ أم أنّ الحلّ يكمن في إدراك أبعاد المشاعر الإنسانيّة- الوجدانيّة التي تتفاوت بين الفرح والحزن، والاكتئاب والتفاؤل، الغضب والهدوء؟ ولعلّها قاعدة فلسفيّة؛ إذ لولا وجود عكس المعنى لما كان للمعنى معنى، فالحياة تخضع لسيناريوهات سماويّة لتحديد قسط المشاعر المتقابلة التي يعيشها الإنسان، ولعلّه حين يتقبّل هذا التعاقد الافتراضيّ مع الأقدار يرضى بالواقع.

فمنْ لم يعايش الانفعالات الغاضبة في حياته، ليهدأ بعدها ويتساءل عمّا بدر منه، إنْ تجاه نفسه أم تجاه الآخرين؟ المشكلة ليست بوجود هذه المشاعر، إنّما في كيفيّة التعامل معها بفعاليّة وذكاء، وإضافة حالة من الحكمة والوعي إليها في ظلّ الضغوطات الكبيرة التي تواجه الإنسان اليوم.

في هذا المقال سنحاول رصد الآراء ووجهات النّظر في الأديان وعند المفكّرين والباحثين في ما يتعلّق بشرعيّة التعبير عن الغضب بوصفه انفعالًا إنسانيًّا طبيعيًّا، وصحيًّا في الكثير من الحالات، بحيث يغدو الشّعور السائد سلوكيًّا، وذهنيًّا، وفسيولوجيًّا عندما يتّخذ الشخص بوعي إجراءات فوريّة من شأنها وقف السّلوك التهديديّ من قوّة أخرى خارجيّة[1].

لغويًّا الغضب هو الشّدة، ورجل غضوب أي شديد الخُلق. وقد انبثقت فكرة «التّنفيس عن الغضب» من مفهوم التّطهير (Catharsis) عند أرسطو قبل أكثر من 2300 سنة، فقد طرح التّطهير بمعنى الانفعال الّذي يُحرّر من المشاعر الضّارة، فمشاهد العُنْف والخوف تعمل على تنقية شحنات الغضب والعنْف الكامنة داخل الجماهير، وتمتدّ تلك الفكرة لتشرح الطّقوس الرّاقصة التي مارسها العديد من الشّعوب لطرد الأرواح الشّريرة وصولًا إلى مفهوم «الزّار» في التُّراث الشّعبي، لتحرير الجّماعة من إثْم ما، أو ذنْب أو مرَض[2]. وما زال هذا التّصور عن تفريغ الغضب بمشاهدة الأفلام العنيفة أو أفلام الرُّعب عالقًا في الأذهان إلى الآن، وضمن هذا الإطار يقول سيجموند فرويد: «إنّ كتْم الغضب يُشبه كتْم البخار في قدْر الضّغط، مع ازدياده ستأتي لحظة وينفجر».[3].

يرى بعض الباحثين الاجتماعيّين أنّ الغضب هو أحد أنواع المشاعر الإنسانيّة وغير الإنسانيّة أيضًا، فكما يغضب الإنسان كذلك تغضب الطبيعة والحيوان[4]، وغالبًا ما يبرز مصطلح «غضبُ الطبيعة» بين حين وآخر، ولا سيّما في نشرات الأخبار أو على ألسنة بعض الكتّاب والإعلاميّين في وصفهم الظواهر الطّبيعيّة[5]، ويندرج ذلك على الحيوانات أيضًا حين تظهر تعابير غاضبة[6] ٠٠

ووُفق هذا المنطق يأتي الغضب كنتيجة وردّة فعل لتهديد ما، أو استفزاز ما. وكثيرًا ما يتّخذ صورة الدّفاع عن النفس في وجه مشاكل حقيقيّة لا يمكن تجاوزها في الحياة، أو نتيجة الفرق التقويميّ بين النموذج الذي يبنيه الإنسان (رغباته، توقعاته ومطالبه،…) وتجربته الواقعيّة، وبمعنى آخر الفرق بين التّوقع والواقع. أمّا الأدیان السماویة فقد قاربت مسألة الغضب عندما ميّزت بين أنواعه؛ فالإسلام قسّم الغضب، حيث رأى أنّ «الغضب المحمود» ثمرة من ثمرات الإيمان في حال كان موجّهًا ضدّ من ينتهك محرّمات الله[7]، وهذا ما يندرج على ردّات الفعل الغاضبة تجاه القضايا الوطنية، وكذلك تجاه الظلم الذي تتعرّض له الكثيرمن الشعوب المستضعفة من قبل قوّى تدّعي الديمقراطيّة وتنادي بحقوق الإنسان.

 أمّا الغضب في غير معصية الله –تعالى- ولم يتجاوز حدَّه فسمّي بـ«الغضب المباح»، وكظمه خيرٌ وأبقى[8]. ويكون الغضب مذمومًا إذا كان في سبيل الباطل والشيطان كالحمية الجاهليّة[9]٠فی حین أنّ الدین المسبحي تحدّث عن  نوعين من الغضب: غضب مقدَّس نابع من الغيرة على مجد الله، وغضب نابع من جسدنا الفاسد الذي لا يحتمل أيّ إساءة أو مذمّة؛ وهنا تبرز الإشكاليّة الآتية: «أنْ يغضب الإنسان فهذا شيء سهل، لكن أنْ يغضب من الشخص المناسب، في الوقت المناسب، إلى الحدّ المناسب، للهدف المناسب، بالأسلوب المناسب، فليس هذا بالأمر السهل»!

يستطيع العقل السّليم إدارة المشاعر أو العواطف بشكل جيّد عندما يقبلها ويعترف بوجودها؛ فهي ليست منزّهة، ومن ثمّ يستخدمها كمعلومات، فالإنسان يستطيع أنْ يسأل نفسه بعد موجة الغضب التي مرّ بها عمّا إذا كان عنده اعتراضات معيّنة على شعوره الغاضب، ثمّ يحدّدها ليستطيع تصميم هيكل جديد لمواجهة هذا الشعور بالطّريقة المناسبة ليتفادى لاحقًا الشّعور بالذنب الذي يسهم في زيادة حالته العصبيّة مع تعدّد المواقف الموتّرة وتراكمها. فحين يدخل الإنسان في حالة من الهدوء والتفكّر تبدأ عمليّة مراجعة الحسابات، ولعلّ البارز في ذلك يكون ضرورة الاعتراف بشرعيّة غضبه تزامنًا مع إضافة كلمة «لكن» إليه، فأن تغضب لا إشكال في ذلك ولكن كيف تغضب؟  أي من المهم السماح للنفس بأن تشعر بالغضب؛ لأنّ ذلك يساعدها في التعرّف إلى الأشياء التي تخالف قناعاتها وقيمها وتتعارض معها، لاتخاذ الإجراء المناسب وفي الوقت المناسب، ولكن تزامنًا مع إعطائها الإذن بأن تشعر بالمشاعر الرقيقة لأنّها تجعلها أكثر اكتمالًا على المستوى البشريّ، فيقترن حينها الغضب بالحكمة ليصل بصاحبه إلى الهدف المرجوّ تحقيقه كالثورة ضدّ الظلم.

 ولطالما كان الاعتقاد الثقافيّ الرائج بأنّ كلّ مشكلة لها حلّ يزيد من الإحباط والغضب، ولا سيّما عند معرفة أن لا إمكانيّة لوجود الحلّ دائمًا. ولعلّ الأفضل إذن عدم التركيز على إيجاد الحلّ، بل على كيفية التعامل مع المشكلة ومواجهتها من خلال خطّة، والتّحقّق من التّقدم على طول الطريق. فمن الضروريّ تقديم الأفضل دائمًا، ولكن ليس على حساب معاقبة النفس إذا لم يتمّ الوصول إلى ذلك على الفور، وعليه يكون الاقتراب من أفضل نيّات الإنسان وجهوده، مع المحاولة الجادة للمواجهة، أفضل من فقدان الصبر والانهيار، حتى لو لم تُحل المشكلة بالشّكل المطلوب، فغالبًا ما  يُعيق الأداء العالي للإنسان شيئان: الصّحة البدنيّة والحالة الذهنيّة ومنها الغضب، أمّا الشيء الجيّد فهو أنّه يمكننا تغيير استجابتنا لبعض الضغوطات على الأقلّ من خلال تعلّم كيفية إدارة الغضب وعمليات التفكير الخاصة بنا، فابتسم للحياة فالأمل دواء والقلق عناء والتفاؤل رجاء.

[1] –  ريمون تشيب، فهم اضطرابات الغضب، مطبعة جامعة أكسفورد، 2006، pp.133 – 159

[2]الزار في أصله طقس وثني للقبائل الأفريقية البدائية ، انتقل من الحبشة إلى السودان ثم إلى مصر فباقي البلاد العربية ولفظ زار محرف من جار ـ إله وثني عند الكوشيين ـ ثم غدا في الحبشة بعد دخول النصرانية عفريتاً حقودا .

[3] – وجرى إدخال هذا المفهوم إلى علم النفس عن طريق جوزيف بروير رفيق فرويد الذي استخدم تلك الطريقة (آلية التطهيرCathartic Method) في علاج حالة الهيستيريا٠راجع: التطهير عند أرسطو.

[4] –  ديزموند موريس، الرئيسيات الأخلاقيّات، الناشر: يدنفلد & نيكلسون، لندن، 1967،  p.55

[5]  منها: الأعاصير، الزلازل، البراكين …

[6]حين تصنع أصوات عالية، محاولة جعل شكلها الخارجيّ أكبر، وهي تكشف عن أسنانها، وتحدّق بأعينها.

[7]  – ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً …) (الأعراف :150)

[8]– قال تعالى (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)

[9] – عصبيّة القبيلة

Add a Comment

Your email address will not be published.