! أيّها الإنسان مهلا

بقلم الدكتورة رولا حطيط

تمهّل وأنت تشُقّ طريقَك وتمشي.. لوهلة انظُرْ حولَك، لوهلةٍ قدِّر ما تملِكه من أشخاص وما تحملُه من أشياء… يا أيّها الإنسان مهلًا!

إنّ الله أوجد فيك عينين لا تراه بهما، وأذنين لا تسمعه بهما، لكنّ عينيك كانت الخطّ الورديّ إليه، وأذنيك النغمات السابحة نحوه… ، فلو أنّك تُقدر ما تملك وترضى به لاكتسَتِ الأشياءُ معنىً جديدًا، أكثرَ حياةً… وأكثر جمالًا.

قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)[1]، جُبِلَ الإنسان على حبّ الخير لنفسه والتسخّط وعدم الرضا عمّا في يده، والحرص على أن يكون أعلى من غيره، أو ليس أحدٌ أعلى منه،، وقال سبحانه : (إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً)[2]  ولكن يأبى الله إلّا أن يكون الكمال مختصًا به ، فإن كمُل الإنسان في شيء فلا بدّ من أن يقصّر في شيءٍ آخر، وإن فاق غيره في أمرٍ ما فإنّ غيره قد يفوقه في أمرٍ آخر.

 لماذا البشر دائمًا مستعجلون؟ مستعجلون إلى أين؟ ونحو ماذا؟

فهل يجب دائمًا أن تخلق حربًا؟ ويكون لها ضحايا؟ على ألّا تكون أنت الضحيّة؟

إنّ حياة الإنسان تتقاذفها قوّتان: الروح والموت… لتكون الغلبة للروح التي اتخذت الجسد سفينة عبور، فالروح شعلة من نار، تحرق الجسد ولا تحترق. والجسد لا يستسلم للنار فورًا، يقاومها ويحاول إطفاءها، لكنّه يستسلم في النهاية، فتأكله النار… وأنت أيّها الإنسان تمثّل الحياة بأكملها، من دون أن تدري ماهيّة دورك، كمسكن للروح والجسد. فحين تصل إلى أيّامك الأخيرة تتمنى لو يرجع بك الزمان إلى الوراء لتدع الطبيعة تأخذ مجراها في داخلك، لتنضج وتكبر وتقدّم شيئًا على هذه الأرض قبل أن تودعها.

 إنسان اليوم على عجلة من أمره ليمتلك حدّ الامتلاء، وهذا  للكثيرين هو معنى الحياة، فغابت عن وعيه عبارات مثل «لا تلتهم ولا تدّخر، بل شارك وأعط». الرسالات السّماوية كلّها حضّت على إقرار حقّ السائل والمحروم، ووضعت الكثير من الضوابط للسلوك الإنساني على الأرض، لكنّ البشر الذين أكرمهم الله بمشيئة الاختيار لا يحسنون دومًا الاختيار، فبعضهم تتغلّب لديهم الغرائز على القيَم، والمصالح على المبادئ، والأطماع على الأخلاق. باسم الطموح ضربت القناعة وباسم المستقبل دمّر الحاضر الذي يعيشه الإنسان، وباسم التفاخر مزقت العائلة . 

فتمهّل أيّها الإنسان! وحاذر السقوط كي لا تحضنك أيادي الفشل وتسير في طرقات الضياع، فكلّ هذه الأفكار المزدحمة لا تحتاج إليها، لا تحتاج إلى كلّ هذه الضجة، فأنت فقط تحتاج إلى لحظة سلام لكي تولد من رحم الحلم المشروع لك لا من رحم الحرب، الحلم الذي يولد ببطء بتناغم تامّ مع الطبيعة يكبر وكلّ جزء من أجزائه يكتمل في وقته، ينضج في موسمه. حاول أن تفكّر في أنّ دنيانا وسيلة لبلوغ غاية وتأدية رسالة، إنّ طريق السعادة واضح فهو طريق الدين، والأخلاق، والابتسامة، والصدق. عد إلى الأصل والروح والى الجذور الطيّبة واعرف نفسك ومن أنت؟ ومن تكون؟ تمسّك بهويّتك الحقيقيّة لكي لا تكون الضحيّة كما تناشد دائمًا، لامس الحلم الذي يلوح في الأفق ستعرف إلى ماذا أنت محتاج، ستعرف من الذي سيحتويك، ويقويك، تأمّل في لحظة سلام واحدة فهذا سيكفيك، لكي تعادل بها دهرًا من الغضب والحسرة. فيا أيّها الإنسان تدبّر وفكّر واترك الأقدار تعمل، فعمرك تكدّر وقلبك تحجّر فلا تراوغ  ولا تنكر ولا تقتل الطفل داخلك فهذه الأعماق تدمى، سنوات من الأوهام والصراخ تقضيها ولا تنفعك في شيء، فبدلًا من أن تصرخ لدهر كامل وتولد مشوهًا ومن دون حياة ارجع إلى سلامك الداخلي، وتمسّك به لتنقذ نفسك؛ لأنّك اخترتَ أن تولدَ من رحم الحلم لا من رحم الحرب  ليغدو العمر أسلم!

[1] -[العاديات:8]

[2]-[المعارج:19-21]،

Add a Comment

Your email address will not be published.