تثمين الجسم وهوس موضة التجميل.. إلى أين!؟

كتبت د.رولا حطيط

          یعدّ الجمال  أحد الموضوعات التي أثارت اهتمام الإنسان وتطرّق إليها منذ أن عبّر عن خواطره شعرًا أو نثرًا، وکان اللافت عبر العصور، عناية المرأة بجمالها ومحاولة إظهار أنوثتها من خلال إطلالتها، والوصول إلى أقصى درجات الجمال الجسديّ، فمن المعروف أنّ ملكات العصور السابقة حضرنّ مستحضراتهنّ التجميليّة بأنفسهنّ، وانتقلت إلينا العديد من وصفاتهنّ التي لا تزال تستخدم حتى يومنا هذا على الرغم من تشكّل مستحضرات التجميل وتنوّعها.

ولطالما شکّل الجمال جزءًا من تركيبة الإنسان؛ غير أنّ معاییره اختلفت باختلاف الشعوب والحضارات، ولقد كان لكلّ الحضارات البشرية القديمة مقاييسها الخاصة في الجمال. فالجمال والبحث عن الكمال غريزة فطر عليها الإنسان منذ أن خُلق، ولم يقف هذا التقدير عند التغّني به، بل أصبح في العصر الحديث علمًا يعنى بشؤونه الباحثون وطبًّا يمارسه جرّاحو التجميل.
وفي هذا المقال سنتناول المقاييس التي علی أساسها یقیّم الجمال فی عصرنا، حیث تتباين المعايير القيَميّة والسلوكيّة، وتتداخل المٶثرات الثقافیّة في ظلّ مواكبة الحياة العصريّة وفنون التّواصل الاجتماعيّة التي تُميّز شخصيّات عن غيرها. فالملاحظ أنّ عمليّات التجميل في المجتمع، وبحسب آراء أطبّاء التجميل، ذاهبة إلى ارتفاع ملحوظ ولا سيّما عند الفئة الشّابة، ووفقًا لإحصاءات أجرتها جريدة «الشرق الأوسط» يحتلّ لبنان المركز الـ24 عالميًّا بعمليّات التجميل[1]، وقد تصدّر في السنوات الماضية  قائمة الدول العربيّة التي تجري عمليّات التجميل، وخاصّة عمليّة شفط الدهون ونحت الجسم والحقن لتتفوّق عليه المملكة العربيّة السعوديّة لاحقًا[2]، حيث تُجري مستشفياته شهريًّا ما يزيد عن 120 عمليّة تجميل جراحيّة ذات خطورة، هذا عدا عن العمليّات التي لا تحتاج إلى جراحة، وأسهمت هذه العمليّات بنحو 15% من الإنفاق السياحي في لبنان[3].

 ولقد راج  قرض التجميل الذي أطلقه أحد المصارف اللبنانية عام 2007 ليصل مقداره إلى 5000 دولار للمساعدة على الخضوع لعمليّات التجميل[4]. فكرة القرض انطلقت من كون العديد من اللبنانيّين قد تعرّضوا للإصابات خلال حرب (2006) وباتت لديهم تشوّهات، غير أنّ إحصاءات أشارت إلی أنّ النسبة الأكبر من المهتمّين كانت من أشخاص سليمين يرغبون في إجراء عمليّات تجميل وليس ممن لديهم تشوّهات، هذا الأمر دفع البنك المركزيّ إلى الطلب من المصارف التشدّد حيال منح القروض.

ولم تعد هذه العمليّات حكرًا على فئة عمريّة معيّنة أو تقتصر على العمليّات الترميميّة والتقويميّة؛ فما كان صعبًا في المجتمع وغير مقبول أو لا يصرّح به، أصبح فخرًا واعتزازًا وأحيانًا هوَسًا عند بعضهم  تماهيًا مع فنان أو فنّانة، وسعيًا إلى الكمال، ومواكبة الموضة الرائجة، ما جعل النساء تحديدًا متشابهات في الشكل والجسم إذ تتوفّر عند أطبّاء التجميل قوائم جاهزة خاصّة للجمال «تكبير، شفط، شدّ، حقن، وغيرها من المصطلحات»؛ فيبدأن من أجزاء الوجه جميعها وصولاً إلى أجزاء الجسم المختلفة، ما يطرح تساؤلات كثيرة أبرزها: هل تعيش السيّدات  هوس «التجميل»  في المجتمع، خاصّة أنّ احتياجات الرّجل اليوم تختلف عمّا كانت عليه قديمًا، بحيث أصبحت لديه مواصفات معيّنة لفتاة أحلامه لا تتحقّق في أحيان كثيرة إلّا بعمليّات التجميل، إذ تغيّر مفهوم الجمال وتمّ إعطاؤه مقاييس معيّنة وشكلًا محدّدًا لم تكن موجودة سابقًا؟  وإلى أيّ حدّ بات المظهر الخارجيّ من الأولويّات التي يوليها الجميع من مختلف الأعمار والمستويات الثقافيّة من الاهتمام والوقت والمال ولا سيّما أنّنا نعيش عصر ثقافة الصورة التي تسود العالم وانتشار التقنيّات الحديثة والتماهي بالعالم التكنولوجيّ حيث تبثّ الشركات العالميّة من خلال الفضائيّات والإنترنت نمطًا استهلاكيًّا هدفه تنميط الأذواق والأفكار؟

 علامات استفهام كبيرة توضع حول هذا الموضوع والجدل فيه بين مؤيّد يرى أنّ هذه العمليّات تضفي لمسات جماليّة وتحافظ على المظهر الفتيّ، ومعارض يجد أنّها أخذت طابع الغيرة والتقليد، وهي نتيجة عوامل ومؤثّرات نفسيّة واجتماعيّة، وهذا ما يُسهم في إضاعة الهويّة الشخصيّة، وجعلها مختلفة جذريًا، وأحيانًا يترك فيها تشويهًا.

ولعلّ الإعلام قد أسهم بمختلف وسائله وبرامجه الحديثة من محطات تلفزيونيّة مرئيّة ومسموعة، أو الإعلانات على الطرقات، والانتشار الواسع لمراكز التجميل، في التأثير في الأفراد، وترويج ثقافة الموضة والاهتمام بالمظهر الخارجيّ، وتعديل الملامح «عمليّات تجميل»، أي تصويب المجتمع إلى الاستهلاك في الجمال الذي تحوّل بواسطة الإعلانات إلى سلعة، فيعيش الانبهار كما استهلاك السلع والتكنولوجيا والأفكار والأزياء.

وفي أوساط جراحيّ التّجميل يتداول ما يؤكّده المعالجون النفسيّون أنّ ثمّة أشخاصًا «مرضى عدم الرضا» يعانون الشعور بالنقص ووسواس الجمال، ويرجحون ذلك إلى عدم حبهم أنفسهم؛ ما يجعلهم يبالغون في تجميلها، وهو ما يعطي نتائج عكسيّة أحيانًا، إذ تتحّول عمليّات التجميل إلى «عمليّات تشويه». وثمّة تجارب كثيرة تشير إلى أنّ عمليّات التجميل لا تكون دائمًا موفّقة.

إنّ ملفّ عمليّات التجميل يفتح سجالًا واسعًا في المجتمع لتشعّبه، فهو عالم الذين يبحثون عن الجمال ربما مسايرة لموضة ما، أو هو هوس اجتماعيّ ووجاهة اجتماعيّة وغيرة من جمال الأخريات من دون التفكير في العواقب، أو حتّى عدم الرّضا بما هو مقبول كحدّ أدنى.

و ما يتشكّل حولنا – بطبيعة الحال – هو شيء من الواقع واللاواقع، وبحسب تناولنا هذين المفهومين، فإنّنا نحيل المسألة إلى التوصيف أكثر كون التوسّع في هذا الموضوع يحتاج إلى التوقّف عند أطراف النقائض؛ لأنّها تظهر ما يخفيه المألوف.

————————————————–

[1] هيستيريا عمليات التجميل في لبنان: طلوب وتمنى ، البیان،30/8/2018

[2] – دراسة سعودية جديدة کشفت أن السعوديين، رجالاً ونساءً، يتصدرون لائحة الشعوب العربية الأكثر إقبالاً على الجراحات التجميلية.Lbcgroup3/1/2018

[3] – مراکز التجمیل في لبنان تخضع للتجمیل، المسيرة السبت 9/7/ 2017.

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *