بين زواج الأبناء … وتذمّر الأمهات

بقلم د.رابعة يكن

الزواج سنّة الحياة، و هو استقرار للنفس والفكر والجسد، وكل أمّ  تتمنى أن يرزق الله إبنها  زوجة واعية أو بالأحرى: ” بنت الحلال “، التي تقف إلى جانبه لتكوين أسرة . لكن شكاوى كثيرة تطرق المسامع من أمهات تزوج أبناؤهنّ، وكانت النتيجة شعورهن بالضيق والحزن .

بعد فرحة العرس ..

يتزوج الإبن،يفرح الأهل،يأتي المهنئون، وتبدأ مرحلة انتقالية جديدة في حياة الإبن، و تطرأ تغيّرات على حياة الأم، التي كانت تلتصق بفلذة كبدها التصاقاً شديداً، فيبدأ شعورها  بالوحدة، والظن أنها بداية لخسارة ابنها، نظراً لتراجع اهتمامه بها،  وقد يصل بها الحال إلى حدّ الإكتئاب الشديد، خاصة  بعد أن انخفض ضجيجه في البيت فهي لم تعد تراه يومياً، وهو يكتفي بزيارات قليلة أو اتصال سريع، منشغلاً مع  زوجته في تأسيس عشّ الزوجية .

هنا يكمن السؤال، هل حقاً يتغيّر الأبناء بعد زواجهم،  ومن يتحمّل مسؤولية هذا التغيير ؟

     بداية  .. من الضروري التأكيد أن الزواج لا يعني عدم الشوق إلى الأهل وخاصة الأم، حتى لو ابتعد الأبناء وأشغلتهم الحياة، فابتعادهم سببه خوضهم معترك حياة مختلفة عن حياة العزوبية، إضافة إلى تزاحم المسؤوليات التي تؤرّق الرجل كونه المسؤول عن أسرته الصغيره، فينتهي يومه دون أن يشعر، لكن هذا لن يلغ من محبته لأمه، فلو تعمقنا في هذه المسألة، فهل سنجد أن التغيير عند الإبن بعد الزواج  طبيعي إلى حدّ ما ؟

وعي الإبن ينقذ الموقف .. 

حين يمتلك الإبن الحصافة والإدراك بكيفية التعاطي مع المرحلة الجديدة، يمكنه إيجاد التوازن بين علاقته بالزوجة و بالأم على حد سواء، فلا يميل لطرف على حساب الآخر، ولا يدير ظهره لمشاعر تلك التي ربّته فتصبح في مرتبة الدرجة الثانية، ولا يضع حواجزاً  أمام خصوصياته كلها، بل يخبرها بأموره التي تستحق الإخبار، ويستشيرها إن اقتضت الضرورة  كما كان سابقاً، ويصطحبها إلى أماكن تحبّها، تطبيقاً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، من أحقّ الناس بحسن صحبتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك ، فهذا يشعرها بالأمان . كما أن عليه أن يردّ المعروف بالمعروف، وأن يستمر بالتواصل مع الأم  قبل الأب لأنها أول المتأثرين ببعد الأبناء .

دور الزوجة فعّال..

تلعب زوجة الإبن دوراً أساسياً في تقريب زوجها إلى أهله، وحثّه على زيارتهم بشكل مستمر، والإحسان لهم امتثالاً لقوله تعالى: (ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً ) . وعليها أن تسعد ببرّ زوجها لأهله لأن هذا يؤكد أنها ارتبطت بزوج صالح. وأن تتفهّم  أن ابتعاد الإبن في المرحلة الأولى من الزواج  عن الأهل أمر صعب خاصة عند الأم،  وأن  الأمر يحتاج إلى وقت كي تعتاد على هذا الغياب . ومن الخطأ تذمّر الزوجة من استشارة الزوج لأهله في قرارات الحياة فتعتبر ذلك تدخلاً، بل إن عليها أن تشجعه، حيث أنهم أكثر خبرة في الحياة .

تفهّم الأهل يحفظ العلاقة..

يأتي دور الأهل في تفهّم المرحلة التي يمرّ بها الإبن المتزوج حديثاً، وعدم الضغط عليه وملاحقته بعبارة (لقد تغيرت،لم تعد كالسابق)، بل عبر ترك مساحة تسمح  له بتأسيس حياته بعيداً عن أي تشنّجات تؤذي العلاقة ـ وعلى الأم تقبّل ابتعاد إبنها في الفترة الأولى من الزواج، وعدم تركه يعتاد على  البعد. مع التنبه  أن ابنها قد دخل  أسرة جديدة هي أسرة الزوجة، وأنه سينشغل بها وستأخذ حيزاً من اهتمامه، خاصة حين يلمس اهتماماً من طرفهم  فينجذب لهم  .

ابتعاد الأبناء مؤلم، لكن لا بد منه ..

يبقى زواج الشاب خطوة من خطوات الحياة، يسهم في تغيير نمطه التقليدي، وتغيير سكنه، ويجعله مسؤولاً عن زوجة وأولاد. ويضيف على حياته مجموعة علاقات إجتماعية من نوع آخر. لكن بين العائلة الكبيرة والأسرة الجديدة لا بد من أن يسعى الجميع للحفاظ على انسجام في العلاقة وتماسكها ..

Add a Comment

Your email address will not be published.