المرأة بين التمكين والاستقواء

كتبت الدكتورة رولا حطيط 

لقد مرّ المجتمع في لبنان وعدد من البلاد العربية بمرحلة انتقاليّة استغرقت مدّة زمنيّة، ويمكن عدّه مجتمعًا متحرّكًا في عدّة اتجاهات وقوى متناقضة، فهو في حالة عدم استقرار انعكست على واقع المرأة وحياتها الفرديّة داخل إطارها الاجتماعيّ والأسريّ.

والمراقب يُلاحظ مستويات التغيير في أحوال المرأة الحياتيّة في لبنان، بالاعتماد على متغيّرات أربعة هي: التعليميّ، والمهنيّ، والصحيّ، والاجتماعيّ، ما أسهم في تحوّلات أثّرت في الكثير من المفاهيم والرؤى والأدوار الخاصّة بالمرأة تحديدًا، فبتنا ضائعين بين أصالة وتراث، بين أفكار وتطلّعات حملتها إلينا رياح الغرب ونسائمه من جهة، ومحاولات إضفاء الشرعيّة الدينيّة على التقاليد والقيم ومواقف الرجال من المرأة من جهة ثانية، ودعوات التحرّر التي تقتحمنا وتثير العواصف حولنا وفي داخلنا من جهة ثالثة. فهل  استطعنا أن نحافظ  على أصالتنا نقيّة؟ وهل استطعنا أن نخلّف تراثنا وراءنا؟ أو حتى أن نوازن بينه وبين القيم الوافدة؟ فبيئتنا التاريخيّة والثقافيّة تجتمع مع الغرب في بعض الجوانب الإنسانيّة الشاملة، ولكنّها تختلف عنه جذريًّا في جوانب أخرى.

قد تكون صورة المرأة عند بعض أفراد المجتمع سلبيّة، من خلال محاولة تدجينها والسيطرة عليها وإلغاء دورها بأسلوب يتنافى مع القيم الإسلاميّة والاجتماعيّة والأعراف الطبيعيّة، التي يمكن البناء عليها بمنطق عقليّ إنسانيّ. ولا شكّ في أنّ العادات والتقاليد التي اخترعها أفراد المجتمع وكرّسوها تشريعًا اجتماعيًّا صارمًا تتحمّل قسطًا كبيرًا من المسؤوليّة في التمييز بين الجنسين في نمط العيش داخل المنزل وخارجه. كما كان للمستشرقين ودراساتهم حول الشرق العربيّ المسلم دور كبير في نشر صورة (الحريم)، ولا ننسى أنّ جزءاً من المسؤوليّة يلحق بالذين نادوا بالمساواة بين الجنسين وليس بالتكامل بينهما، وبذلك أدخلوا المرأة في معركة مع الرجل، ونسوا أنّه من الصعب تحقيق المساواة، والرجال فيما بينهم ليسوا متساوين!

  ما هو سقف الطموحات التي تسعى المرأة لتحقيقها في ظلّ القوانين والثقافة المجتمعيّة السائدة؟ أليس التحدي الأكبر هو مفهوم الذات لدى المرأة؟ كيف ترى المرأة نفسها؟

وهل مسألة حقوق المرأة تتعارض مع الشريعة الإسلاميّة؟ أو أنّ الحقيقة ضائعة بين التشريع والعرف؟ ما هو السبيل إلى وقف النزيف الحاصل إن كان على صعيد الأسرة أم ارتفاع حالات الطلاق أم لجوء المواطنين إلى خيارات أخرى كالزواج المدني نتيجة عدم إيمانهم بعدالة المحاكم الدينيّة؟

أسئلة كثيرة مطروحة للبحث في ظلّ اللبس الحاصل من تبنّي مصطلحات وأفكار لا تشبهنا، إذ نكرّر مصطلحات الآخر ونردّدها داعين إلى تطبيق مفاهيمها من دون تمحيص أو معرفة بالجذور الثقافيّة والاجتماعيّة والبيئة السياسيّة التي أنشأت مصطلحًا ما[1] ، وتكونُ وظيفتنا استخدامه وفق المعنى المتبادر لنا بناء على العرف في استعماله، ما يوقعنا في إشكاليّة.

 إنّ مصطلح «تمكين المرأة» مصدره هيئة الأمم المتحدة في بيئة تتناسب بالضرورة مع معاني هذا المصطلح، وبالعودة إلى مصطلح «التمكين» المُترجم عن وثيقة الأمم المتحدة بالإنجليزيّة نجد   (Women Empowerment)، و (Empowerment) تعني استقواء. في حين أنّ المرادف لكلمة تمكين في اللغة الإنجليزية هو كلمة . (Enabling)

واستقواء المرأة  (Women Empowerment)، أي تقوية المرأة لتتغلب على الرجل في الصراع الذي يحكم العلاقة بينهما، وفقًا لطبيعة العلاقة بين الجنسين في الثقافة الغربيّة، انطلقت من واقع أن العداء والصراع هما أصل العلاقة بينهما، والتي أفرزت ذلك المصطلح، وهذا ما تبنّته الحركة النسويّة الراديكاليّة، حيث دعت إلى ثورة على الدين، واللغة، والثقافة، والتاريخ، والعادات والتقاليد والأعراف، بشكل مطلق، وسعت إلى عالمٍ تتمحور فيه الأُنثى حول ذاتها، مستقلّة استقلالًا كاملًا عن عالم الرجال. فمصطلح «تمكين المرأة» مستمدّ من ثقافة (الجندر) الكلمة المستخدمة أكثر من مئتي مرّة في وثيقة مؤتمر بكين للمرأة عام 1995م، وقد بدأ الجدل بشأن هذا المفهوم منذ أواخر السبعينيّات، وهو مفهوم منبثق من عمق الحداثة الأوروبيّة والأمريكيّة.

فما هو هذا المفهوم؟ وكيف نشأ وتطوّر؟

مُصطلَح الجَنْدَر أي النّوع الاجتماعيّ، يُقْصَد به تحديد الأدوار الاجتماعيّة للجنسين، والذي يتُم حسب منظومة المجتمع الثقافيّة، والاجتماعيّة والسياسيّة في حقَبَة زمنيّة محدّدة، أي أنّ الفروقات التي تُحدّد بين كلّ من المرأة والرجل تنقسم إلى فروقات أصولها بيولوجيّة، والكثير منها ذو أصل اجتماعيّ ثقافيّ، وبالتّالي يُمكن أن تختلف من مجتمع لآخر أو تتغيّر في كلّ حقبة تاريخيّة .

ويرى متبنّو هذا الفكر الجندريّ أنّ هناك فروقات فيزيولوجيّة بين المرأة والرجل غير أنّ الفروقات الجنسيّة لا تحمل بالضرورة معاني قيَميّة عُليا أو دُنيا لكنّها اصطبغت بالقيَم، حين أصبح الدّور الإنجابيّ البيولوجيّ للمرأة سببًا في تكريس دورها في تلك الوظيفة، ما حجب عنها فرصًا للمشاركة الكاملة في الحياة العامّة، وجَعلها حبيسة لذلك الدّور الإنجابيّ في كثير من المجتمعات، ولفترات من تاريخ البشريّة.

لهذا السبب، فإنّ مُصطَلح النّوع الاجتماعيّ، أو مُصطَلح الجنس، أصبَحا يُعبّران عن مدلولين، الأوّل ثقافيّ والثّاني بيولوجيّ .

ومع انتشار أيديولوجيا الجندر Gender التي تَعدّ أنّ كلّ ثقافة تُنتِج قواعد السّلوك الخاصّة بها فقد تمّت المُطالبة بتخطّي الثّقافة التقليديّة لأنّها تَقْمع المرأة (Elle opprine la femme) حيثُ يجب أنْ تحتلّ النّساء رأس ثورة ثقافيّة حديثة لإنتاج قواعد سلوكيّة جديدة. وعلى مبدأ «لا يولد الإنسان امرأة، إنّما يُصبح كذلك»[2] يوجد دعوى إلى التجريد الجنسي، واتباع الرغبات والميول والتحلل من الالتزام الفردانيّ وتحقيق الذات، وإن كانت النتيجة عائلة مكوّنة من جنسين متشابهين، أو كانت النتيجة التخلّص من كلّ الروابط الأسريّة فلا ضير أيضًا؛ فهل هذا ما تسعى المرأة إليه؟

إنّ تمكين المرأة وفقا لهذا التفسير، لا يكون من خلال السعي لتزويدها بالكفاءة اللازمة وتوفير الفرص الحقيقيّة لها لتحقّق ما تصبو إليه من تقدّم علميّ ومهنيّ يخدم دورها الأسريّ والاجتماعيّ والذاتيّ دون تعارض مع تشريعات دينها وثقافة مجتمعها وحضارتها، بل من خلال تطبيق التحاصص  النسبيّ الذي يجعلها مساوية للرجل بكلّ شيء، بل يجرّدها من انتمائها الجنسيّ وميولها الفطريّة لتكون أقوى وجوديًّا، فالخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكيّ يعلن حتميّة الصراع بين الذكر والأنثى، في حين نجد أنّ الاسلام سعى إلى تمكين المرأة ودفعها الى توظيف طاقاتها وإمكاناتها ليس من أجل الخلاص والانعتاق الفرديّ فحسب، ولكن أيضًا من أجل عمليّة التغيير والتنوير الاجتماعيّ الشاملة، وليس فقط كعاملة وناشطة في المجال العام الاقتصاديّ والسياسيّ، ولكن أيضًا كمتقنة لدورها الذي لا يقلّ خطورة في المجال الخاص للأسرة؛ ذلك لأنّ أيّ تقليل من شأن هذه الأدوار إنّما يجني على المرأة نفسها قبل جنايته على من حولها في محيطها الأسريّ والعائليّ والمجتمعيّ.

لقد وضع المشرع المرأة في مكانها الحقيقي ، وأعطاها حقوقها ومكنها لعيش حياةٍ كريمة، واضعاً التقدير اللازم لإمكانيّاتها الفكريّة والجسمانيّة، وفارضاً على المُجتمع احترامها وتقدير مكانتها. فالمرأة تعني السيّدة مريم العذراء (عليها السلام)،  والمرأة تعني السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، إنّ الحقوق التي كفلها الإسلام للمرأة كبيرة وكثيرة، خاصةً بالنظر إلى حقوقها في الجاهليّة وقبلَ الإسلام، ويكفي أن نتذكّر دائمًا أنّ المرأة هي الأمّ الأبديّة من لحظة ولادتها، إن كانت مع الإخوة، أم مع زوجها، أم مع أولادها وحتى مع أولاد أولادها، (أحفاد الأحفاد)، وحتى آخر لحظة من عمرها.

نحن، إذن، أمام تيارات عدة متجاذبة، إمَّا غلو وتشدّد ورضوخ لمنظومة فكريّة منغلقة، وإمَّا تيار علمانيّ يتماهى مع منظومة حقوق الإنسان الكونيّة جملة وتفصيلًا، في حين تسعى  تيارات أخرى إلى تجديد الوعي حيث تلتزم خطًّا فكريًّا بين البينين، وتدافع عن قضايا المرأة وفق قيم منطلقها الأساس عالميّة الإسلام وقيمه الحضاريّة، مع انفتاح على المنظومة الكونيّة وتقبّل ما فيه خير للإنسانيّة وللأسرة والمرأة، إذ تعدّ أنّ هذا هو الأكثر جدوى في التعامل مع مفهوم التمكين، أي المواءمة بينَ المصطلح الوافدِ والثقافة الاجتماعيّة، فلا تكون العلاقة بين المرأة والرجل صراعًا تسعى المرأة من خلاله إلى التمحور حول ذاتها وتستقوي على الآخر تحت غطاء التمكين، ولا هو مقبول أن تبقى المرأة بلا شخصيّة ولا استقلال في خضوع مطلق للذكوريّة الطاغية، فالتأهيل  وبذر الوعي العميق ونشر الفكر مع البناء النفسيّ والاجتماعيّ وصناعة الشخصيّة المستقلّة على مستوى الفرد والمجتمع مع رفض التقاليد البالية؛ كل ذلك هو السبيلُ إلى تحقيق التمكين وتحويله من مجرّد شعارٍ إلى واقع عمليّ وسلوكٍ يزود المجتمع بقدرات خلّاقة تبشّر بمستقبل زاهر.

[1] Edward Sapir, LANGUAGE:AN INTRODUCTION TO THE STUDYOF SPEECH, NEW YORK: HARCOURT, BRACE, 1921

[2] كما تقول الفيلسوفة الوجودية (سيمون ديبو فواغ) في  كتابها “الجنس الثاني”.

Add a Comment

Your email address will not be published.